فضاء الرأي

ثلاثة جنيهات وكلب… حين تتحول الإساءة إلى الوطن إلى بطولة وهمية/بقلم جالو امادو كورل المنسق الوطني

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال


تُروى حكاية شعبية متداولة، لا أجزم بصحة تفاصيلها التاريخية، عن ضابط إنجليزي خلال فترة الاحتلال البريطاني للعراق، أراد أن يعرف طبيعة الناس الذين جاء إلى بلادهم.
رأى الضابط راعياً عراقياً إلى جانب كلبه، فعرض عليه جنيهاً مقابل قتله. تردد الرجل ثم وافق.
قال له: وجنيه آخر مقابل سلخه.
ففعل.
ثم قال: وجنيه ثالث مقابل تقطيعه.
ففعل أيضاً.
عندها قال الضابط، ساخراً، إنه لو كان معه المزيد من المال لأعطاه إياه حتى يأكل الكلب، موضحاً أن هدفه الحقيقي لم يكن الكلب، وإنما معرفة طبيعة الناس الذين جاء لاحتلال بلادهم.
قد تكون الحكاية رمزية أكثر منها واقعة تاريخية موثقة، لكن مغزاها ظل حاضراً: قد يحصل الإنسان على ثمن ما يبيع، لكنه لا يستطيع أن يشتري بالمال احترام الآخرين.
ومن هذه الحكاية نصل إلى مقطع عبد الله با، الذي اختار أن يقدم نفسه في صورة الرجل الذي واجه الدولة ومؤسساتها كلها، وأن يحول صراعه الشخصي وتجربته مع السجن والخصومة السياسية إلى ما يشبه ملحمة بطولية شخصية.
لكن البطولة لا تصنعها الكاميرا.
والشجاعة لا تثبتها كثرة الكلام.
والحقيقة لا تصبح حقيقة لمجرد أن صاحبها كررها بصوت مرتفع.
عبد الله با كان، بحسب مصادر صحفية، مسؤولاً عن ملف حقوق المهاجرين في المكتب التنفيذي لـ«إيرا»، قبل أن يقال من منصبه في يوليو 2026 عقب تداول مقطع فيديو تضمن إساءات لمسؤولين حكوميين.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام نقد سياسي وحقوقي مشروع، أم أمام خطاب يتجاوز نقد المؤسسات إلى تقديم صورة قاتمة عن الوطن والدولة والمجتمع، ثم تحويل ذلك إلى بطولة شخصية؟
الفرق كبير.
من حق أي مواطن أن ينتقد الحكومة، وأن يعارض مسؤولاً، وأن يكشف الخلل، وأن يطالب بالإصلاح.
لكن عندما يتحول الوطن نفسه إلى مادة للتحريض والتشويه، وعندما تُقدَّم الدولة بأكملها باعتبارها خصماً، وعندما يصبح كل خلاف دليلاً مزعوماً على مؤامرة، فإن الأمر يحتاج إلى وقفة هادئة ومسؤولة.
فالادعاء شيء، والدليل شيء آخر.
وإذا كان هناك فساد، فليُقدَّم الدليل.
وإذا كان هناك مبلغ مالي بهذا الحجم، فليظهر مصدره ومساره ووثائقه.
وإذا كانت هناك جريمة أو مسؤولية جنائية، فهناك قضاء وقانون وأدلة.
أما تحويل الأرقام الكبيرة والاتهامات الثقيلة إلى عبارات في مقطع مصور، فلا يحولها تلقائياً إلى حقائق.
والأخطر هو أن يتحول الصراع السياسي إلى محاولة لإقناع الناس بأن مهاجمة الدولة هي في حد ذاتها بطولة.
ليست كذلك.
الدولة ليست حكومة عابرة، وليست وزيراً، وليست شرطياً، وليست جهازاً أمنياً، وليست شخصاً واحداً.
الدولة هي الوطن ومؤسساته وشعبه وتاريخه وأمنه ومستقبله.
ومن يختلف مع الحكومة يستطيع أن يقول إنه يختلف معها.
ومن يرى فساداً يستطيع أن يقدم ملفه.
ومن يعتقد بوجود ظلم يستطيع أن يلجأ إلى القضاء والإعلام والمجتمع المدني.
أما أن يتحول الهجوم على الوطن ومؤسساته إلى وسيلة لصناعة صورة البطل المناضل، فذلك شيء آخر تماماً.
إن الفرق بين الإصلاح والهدم يشبه الفرق بين المشرط والخنجر.
الأول يزيل الورم لإنقاذ الجسد.
والثاني يطعن الجسد كله.
ولا تصبح الطعنة عملية جراحية لمجرد أن صاحبها أعلن أنه طبيب.
ومن هنا فإن ما يقدمه عبد الله با عن نفسه باعتباره بطولة استثنائية يحتاج قبل كل شيء إلى أن يخضع للوقائع والأدلة، لا إلى التصفيق والانفعال.
الثابت أن «إيرا» لها نشاط وتنظيم داخل موريتانيا وخارجها، وقد أعلنت في يونيو 2026 تعيين مدير لديوان رئيس الحركة على مستوى الاتحاد الأوروبي لتعزيز حضورها وعلاقاتها هناك. كما أن للحركة مواقف سياسية وحقوقية حادة تجاه السلطة، وهو ما ظهر في تصريحات رئيسها وبياناتها خلال 2026.
ومن حق الموريتانيين أن يناقشوا هذه المواقف وأن يسألوا عن أهدافها ونتائجها وحدودها، لكن لا يجوز تحويل النقاش إلى اتهامات قطعية بلا أدلة.
وفي المقابل، لا ينبغي لأي طرف أن يختبر صبر الوطن بتحويل الانقسام إلى مشروع، أو التحريض إلى بطولة، أو الإساءة إلى مؤسسات الدولة إلى شهادة نضال.
موريتانيا ليست ساحة مفتوحة لمن يريد أن يبني مجده الشخصي فوق جراحها.
وموريتانيا أكبر من عبد الله با، وأكبر من «إيرا»، وأكبر من الحكومة، وأكبر من المعارضة، وأكبر من أي فرد أو جماعة.
هذه البلاد لها أبناء يختلفون في السياسة، لكنهم يلتقون عند الوطن.
ولها رجال ونساء يعرفون أن حماية الوحدة الوطنية لا تعني إسكات النقد، كما أن ممارسة النقد لا تعني هدم الوحدة الوطنية.
أما من يثبت بالدليل والقانون أنه يعمل ضد مصالح بلده لحساب جهة معادية، فهناك مؤسسات الدولة والقضاء، وهي وحدها صاحبة الاختصاص في تحديد المسؤولية والمحاسبة.
ولن تنجح أي جماعة، مهما رفعت صوتها، في تحويل موريتانيا إلى نسخة من الصورة التي تريد رسمها عنها.
ولن تنجح محاولات تأليب الموريتانيين على وطنهم.
ولن تنجح صناعة أبطال من ورق، لأن البطولة الحقيقية لا تُقاس بعدد الشتائم، ولا بعدد المشاهدات، ولا بحجم الضجيج.
البطولة أن تختلف دون أن تهدم.
أن تنتقد دون أن تحرض.
أن تكشف الفساد دون أن تفترى.
أن تدافع عن حقوق الناس دون أن تجعل الوطن عدواً.
أما الوطن، فله ذاكرة.
وما يفعله الإنسان اليوم سيبقى شاهداً عليه غداً.
قد يستطيع المرء أن يبيع موقفاً، أو يبيع خطاباً، أو يشتري تصفيقاً عابراً.
لكنه لن يستطيع أن يبيع الوطن ثم يشتري احترام أبنائه من جديد.
فموريتانيا لن تكون رهينة لأجندة أي فرد أو جماعة، ولن ينجح من يراهن على تمزيقها في تمزيقها.
لأن في هذا الوطن من يعرف أن الاختلاف السياسي عابر، أما الوطن فباقٍ.
ومن يعرف أن إصلاح البيت يكون بإصلاحه، لا بإشعال النار في جدرانه.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي لا تستطيع أي كاميرا ولا أي خطاب أن تهرب منه:
حين احتاج وطنك إلى أبنائه… هل كنت تبني، أم كنت تهدم؟
فالتاريخ لا يحتفظ طويلاً بمن يصرخ أكثر.
إنه يحتفظ بمن ترك وراءه أثراً في وطنه.

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى