ثقافة

بين الممكن والواجب… هل أصبحت الكرة في ملعب الدولة؟

يستحق النص الذي استعرض حصيلة الإصلاحات في قطاع التربية أن يُقرأ بعيدًا عن منطق الموالاة والمعارضة، لأنه لم يُكتب بروح الدعاية، وإنما بروح التقييم الموضوعي. فهو لم يدّع أن أزمة التعليم قد انتهت، ولم ينكر في الوقت نفسه ما تحقق من خطوات إصلاحية ملموسة في مجالات الحوكمة والرقمنة والشفافية، وهي خطوات كانت، حتى وقت قريب، تبدو بعيدة المنال.

غير أن القيمة الحقيقية لهذه الإنجازات لا تكمن في عددها، وإنما في الرسالة التي تحملها؛ فقد أثبتت وزيرة التربية، من خلال ما أُنجز، أنها ليست بعيدة عن واقع القطاع، ولا أسيرة للمكاتب والتقارير، بل تمتلك معرفة دقيقة بتفاصيله، وتدرك مكامن القوة والاختلال فيه، وتعرف كيف تحوّل ما هو ممكن إلى واقع. وهذه في حد ذاتها شهادة على امتلاكها الرؤية والقدرة على قيادة الإصلاح.

لقد سقطت الحجة التي كانت تُرجع أزمة التعليم إلى غياب الأفكار أو ضعف الإدارة. فما كان يدخل ضمن دائرة القرار الوزاري شهد حركة إصلاح واضحة، وما كان يمكن إنجازه بالإرادة الإدارية أُنجز بالفعل. ومن هنا تبدأ المرحلة الأصعب؛ مرحلة الانتقال من الإصلاح الإداري إلى الإصلاح الوطني الشامل.

ولا يمكن الحديث عن هذا المسار دون التوقف عند الدور الذي اضطلع به المعهد التربوي الوطني، باعتباره المؤسسة التي تترجم الرؤية التربوية إلى مناهج وكتب مدرسية ومضامين تعليمية. فقد استعاد المعهد، خلال الفترة الأخيرة، جزءًا معتبرًا من حيويته، وأصبح أكثر قدرة على مواكبة التحولات التي يشهدها القطاع.

ويحسب لإدارته، بقيادة الدكتور الأديب والناقد الشيخ ولد سيدي عبد الله، أنها تعاملت مع الكتاب المدرسي بوصفه مشروعًا تربويًا وثقافيًا، لا مجرد مادة للطباعة والتوزيع. فظهرت عناية واضحة بمواءمة المضامين مع المرامي الكبرى للتعليم، وبناء شخصية المتعلم، وترسيخ قيم المواطنة، وصيانة الهوية الوطنية، والانفتاح الواعي على العصر. كما برهنت الإدارة على كفاءة في التسيير، وحسن في استثمار الإمكانات المتاحة، وهو ما يؤكد أن المؤسسات، حين تُدار بالكفاءة والرؤية، تصبح رافعة حقيقية للإصلاح.

غير أن هذا النجاح ينبغي أن يكون منطلقًا لتطوير دور المعهد، حتى يتحول إلى مركز وطني للبحث التربوي وتطوير المناهج، ومختبر دائم للتجديد البيداغوجي، لا يقتصر دوره على إعداد الكتب المدرسية، بل يقود التفكير التربوي ويواكب تطور المدرسة الموريتانية.

ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي التمييز بين ما يدخل في دائرة القرار الوزاري، وما يتجاوزها إلى مستوى القرار الوطني والسيادي. فهناك ملفات لا تستطيع أي وزيرة، مهما بلغت كفاءتها، أن تحسمها منفردة.

وفي مقدمة هذه الملفات مكانة المدرس. فمن غير المقبول أن تستمر الدولة في مطالبة المعلم بأداء رسالة عظيمة، بينما لا تمنحه من التقدير المادي والمعنوي ما يجعله متفرغًا لها ومعتزًا بها. إن تحسين الرواتب، وتوفير الحوافز، وربطها في الوقت نفسه بالكفاءة والانضباط والمساءلة، ليس منحة للمدرس، بل استثمار في مستقبل الوطن. وهذا لا يتحقق إلا بقرار وطني يجعل التعليم أولوية استراتيجية للدولة.

وفي السياق نفسه، لا يقل الإشراف التربوي أهمية عن التدريس. فالمفتشون والمستشارون التربويون هم الضامنون لجودة الأداء، وهم حلقة الوصل بين السياسات التربوية والتطبيق داخل الأقسام. غير أن هذه الفئة ظلت تشكو من إفراغ دورها من مضمونه، بسبب ضعف الوسائل والإمكانات، حتى أصبحت عاجزة، في كثير من الأحيان، عن أداء رسالتها في التأطير والمتابعة والتكوين.

وتزداد المفارقة وضوحًا حين نجد أن بعض إجراءات التحفيز، رغم وجاهتها، جعلت راتب مدير مدرسة ريفية يفوق راتب مفتش أو مستشار تربوي يشرف على عشرات المدارس ومئات المدرسين. وليس المقصود الانتقاص من حق المدير في التحفيز، وإنما التنبيه إلى اختلال في ترتيب المسؤوليات والحوافز، لأن من يقود عملية التأطير والتقويم ينبغي أن يحظى بالمكانة التي تليق بحجم مسؤولياته. إن إعادة الاعتبار لجهاز التفتيش والتأطير، ماديًا ومعنويًا ولوجستيًا، شرط أساسي لاستدامة أي إصلاح.

ومن القضايا التي تستدعي كذلك قرارًا سياديًا عقلنة الخريطة المدرسية، ووضع معايير وطنية صارمة لافتتاح المؤسسات التعليمية أو الإبقاء عليها أو دمجها. فالمدرسة لا ينبغي أن تكون استجابة لاعتبارات ظرفية أو ضغوط محلية، وإنما جزءًا من رؤية وطنية تضمن جودة التعليم وحسن استغلال الموارد.

أما على المستوى البيداغوجي، فإن من أكثر القرارات انسجامًا مع روح الإصلاح إعادة النظر في مسابقة دخول السنة الأولى الإعدادية، بل الاتجاه إلى إلغائها نهائيًا. فإذا كان التعليم الأساسي يمثل مرحلة متكاملة تمتد من السنة الأولى الابتدائية إلى نهاية السنة الرابعة الإعدادية، فمن غير المنطقي أن تُقطع هذه المرحلة بامتحان انتقائي في منتصفها. إن التقويم الإشهادي يجب أن يكون في نهاية التعليم الأساسي، ليصبح الانتقال إلى التعليم الثانوي قائمًا على تقييم شامل، لا على انتقاء مبكر يتعارض مع فلسفة المدرسة الجمهورية.

لقد أثبتت وزيرة التربية أنها قادرة على تحريك المياه الراكدة، وأحسنت استثمار الصلاحيات التي يمنحها لها القانون. كما أثبتت مؤسسات القطاع، وفي مقدمتها المعهد التربوي الوطني، أن الإدارة الكفؤة قادرة على تحويل الرؤية إلى إنجاز.

واليوم لم يعد السؤال: هل توجد كفاءات قادرة على إصلاح التعليم؟ فقد أجابت التجربة عن ذلك. وإنما أصبح السؤال الحقيقي: هل تمتلك الدولة الإرادة السياسية لاتخاذ القرارات الكبرى التي تخرج الإصلاح من حدوده الإدارية إلى أفقه الوطني؟

فإصلاح التعليم ليس مسؤولية وزير، ولا نجاح مؤسسة بعينها، بل هو مشروع دولة، تتكامل فيه القيادة السياسية، والإدارة الكفؤة، والمدرس، والمفتش، والمعهد التربوي، والأسرة، والمجتمع. وعندما يلتقي القرار السيادي مع الكفاءة الإدارية، يصبح إصلاح المدرسة الموريتانية هدفًا ممكنًا، لا حلمًا مؤجلًا.

حمادي سيدي محمد آباتي

إطار بوزارة التربية وإصلاح النظام التعليمي

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى