اقتصاد

الذكاء الاصطناعي يفتح جدلاً ضريبياً في أمريكا: من يمول الدولة إذا اختفى العمل التقليدي؟

انتقل النقاش حول الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة من دائرة الابتكار والتنافس التقني إلى سؤال اقتصادي أكثر تعقيداً: كيف ستموّل الحكومات نفسها إذا أدت الأتمتة إلى تقليص الوظائف التقليدية وتراجع الإيرادات الضريبية المرتبطة بالعمل البشري؟

وبحسب تقارير صحفية، أبرزها ما نشرته صحيفة نيويورك تايمز، فإن تنامي قدرات الذكاء الاصطناعي وتزايد القلق من تأثيره في سوق العمل دفعا سياسيين وخبراء وشركات تقنية إلى طرح أفكار غير تقليدية لإعادة توزيع العوائد الاقتصادية الناتجة عن هذه التكنولوجيا.

تآكل القاعدة الضريبية التقليدية

تنطلق هذه المخاوف من فرضية أساسية مفادها أن إحلال الأنظمة الذكية محل جزء من العمالة البشرية قد يؤدي إلى تقليص ضرائب الدخل والاشتراكات الاجتماعية التي تعتمد عليها الحكومات، ما يفرض البحث عن نماذج تمويل بديلة.

وفي هذا السياق، برزت مقترحات تتعلق بإعادة هيكلة العلاقة بين الدولة والتكنولوجيا، سواء عبر فرض ضرائب جديدة أو إنشاء أدوات سيادية تضمن مشاركة الجمهور في أرباح هذا القطاع المتنامي.

صناديق سيادية وضريبة على أرباح الذكاء الاصطناعي

من بين الطروحات المثيرة للجدل، فكرة طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تقوم على منح المواطنين نصيباً من العوائد الاقتصادية للذكاء الاصطناعي، عبر آليات لم تُحدد بعد، لكنه أشار إلى أن ذلك قد يجعل الجمهور “أكثر ثراءً” إذا جرى تطبيقه.

وفي الاتجاه نفسه، يعمل السيناتور بيرني ساندرز على مقترح لفرض ضريبة لمرة واحدة على شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى، يتم تحويل جزء من أسهمها إلى صندوق سيادي شبيه بصندوق ولاية ألاسكا، بحيث تُوزع عوائده على المواطنين.

كما طُرحت نماذج أخرى تمنح الحكومة حصصاً مباشرة في الشركات المستفيدة من الذكاء الاصطناعي، وهو اقتراح تدعمه “أوبن إيه آي” ضمن تصورات أولية لإعادة توزيع المنافع.

غير أن هذا الاتجاه يواجه انتقادات تتعلق بإمكانية حدوث تضارب بين دور الدولة كمُنظم للسوق ومشاركتها كمالك جزئي في الشركات نفسها.

ضرائب مباشرة على التكنولوجيا

إلى جانب ذلك، تتوسع النقاشات حول فرض ضرائب مباشرة على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مثل مراكز البيانات أو “الرموز الحاسوبية” التي تعتمد عليها النماذج التوليدية.

ويدعو بعض المشرعين، من بينهم غريغ كاسار، إلى فرض رسوم على استخدام الذكاء الاصطناعي، فيما اقترحت السيناتور إليزابيث وارن فرض ضرائب على استهلاك الطاقة في مراكز البيانات. كما طرح أندرو يانغ فكرة فرض ضرائب على “وكلاء الذكاء الاصطناعي” بدلاً من العمل البشري.

بين الابتكار وإعادة توزيع الثروة

يرى مؤيدو هذه المقترحات أنها قد تحد من اتساع فجوة الدخل وتضمن توزيعاً أوسع لمكاسب الثورة التقنية، بينما يحذر معارضوها من أنها قد تؤدي إلى إبطاء الابتكار وتقليل الاستثمارات في قطاع سريع النمو.

وفي المقابل، يذهب بعض الاقتصاديين إلى أن تراجع أهمية ضرائب الدخل قد يدفع الحكومات مستقبلاً إلى الاعتماد بشكل أكبر على ضرائب الاستهلاك مثل ضريبة القيمة المضافة، بوصفها مصدراً أكثر استقراراً للإيرادات العامة.

تحول في سؤال الدولة والاقتصاد

يعكس هذا الجدل تحولاً أعمق في بنية التفكير الاقتصادي المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد السؤال مقتصراً على من يربح من التكنولوجيا، بل امتد ليشمل من يمول الدولة في اقتصاد قد يعيد تعريف العلاقة بين العمل والإنتاج والضرائب بشكل جذري.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى