فضاء الرأي

غزة الجائعة وضمير الأمة الغائب.. ماذا سيقول حكام العرب والمسلمين لله؟

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

تتحدث التقارير الصحية عن بلوغ مستويات سوء التغذية في قطاع غزة درجات مأساوية، ولا سيما في صفوف الأطفال دون سن الخامسة، منذ عام 2025 وحتى اليوم، في ظل حصار خانق وأزمة إنسانية تدفع بأبرياء فلسطين إلى حافة الموت جوعًا، بينما تتفاقم معاناة السكان، ويظل الأطفال الحلقة الأضعف في مأساة لا يبدو أن العالم قد استنفد قدرته على مشاهدتها، بقدر ما استنفد قدرته على وقفها.

وفي الجهة الأخرى من المشهد، تتكدس ثروات هائلة في خزائن دول عربية وإسلامية، وتُبذل الأموال الطائلة على مظاهر الترف والبذخ، وتُمد الموائد بأفخر الأطعمة وأشهى المأكولات، فيما يعجز أطفال غزة عن الحصول على كسرة خبز، ويصارع بعضهم الجوع والمرض في صمت موجع، لا يقطعه سوى أنين الأمهات وصرخات الأطفال.

فماذا سيقول حكام العرب والمسلمين لله يوم يقفون بين يديه، ويُسألون عن فلسطين وأطفال غزة ونسائها وشيوخها؟

ألم يعلموا أن المال مال الله، وأن الاستخلاف في الأرض مسؤولية وأمانة، وأن الإسلام لم يجعل التكافل والتراحم مجرد شعارات تُرفع في المناسبات، بل أرسى لهما نظامًا دقيقًا يجعل إغاثة المحتاج واجبًا أخلاقيًا ودينيًا، ويجعل نصرة المظلوم معيارًا لصدق الإيمان والالتزام بمبادئ العدل والرحمة؟

كيف تقف أمة يتجاوز عدد أبنائها الملياري نسمة، وتمتلك من الثروات والموارد والإمكانات ما يؤهلها للتأثير في موازين العالم، عاجزةً عن ضمان وصول الغذاء والدواء إلى شعب محاصر، يواجه آلة الحرب الإسرائيلية، ويدفع أطفاله ونساؤه وشيوخه ثمنًا باهظًا من أرواحهم وأجسادهم؟

أين جيوش العرب والمسلمين؟ وأين إمكاناتهم الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية؟ وأين القرارات السيادية التي يُفترض أن تعكس كرامة هذه الأمة واستقلال إرادتها؟ وأين الحد الأدنى من التضامن الذي يتجاوز بيانات الإدانة، وعبارات الأسف، والقمم التي تنتهي غالبًا قبل أن تتحول توصياتها إلى إجراءات ملموسة؟

هل أصبحت المحافظة على العروش مقدمةً على حماية الأرواح؟ وهل صار الخوف على السلطة أقوى من الخوف من الله، وأشد حضورًا من واجب نصرة المظلوم؟ وهل بلغ العجز ببعض الأنظمة حدًّا يجعلها تتردد حتى في اتخاذ مواقف سياسية ودبلوماسية واقتصادية حازمة، تتناسب مع حجم المأساة وتبعث برسالة واضحة إلى العالم بأن دم الفلسطيني ليس رخيصًا، وأن تجويع الأطفال ليس شأنًا يمكن التغاضي عنه؟

إن التاريخ لا يرحم المتخاذلين، والذاكرة الإنسانية لا تنسى من امتلكوا القدرة على الفعل واختاروا الاكتفاء بالمشاهدة. وستظل غزة شاهدًا على مرحلة انكشفت فيها الفجوة الهائلة بين الشعارات والمواقف، وبين ما تقوله الخطب عن وحدة الأمة وما تكشفه الوقائع من عجز وتشرذم وتضارب في المصالح.

اصمتوا، يا حكام العرب، إن لم تجدوا ما تقولونه سوى التبرير؛ فقد كشفت غزة عجزكم، وعرّت مواقفكم، وفضحت الهوة بين ما ترفعونه من شعارات وما تمارسونه من سياسات. لقد خذلتم آمال شعوبكم، وأضعفتم ثقتها في قدرة النظام العربي على حماية المصالح المشتركة والدفاع عن القضايا العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

ومع ذلك، فإن خذلان الأنظمة لا يعني موت إرادة الشعوب، ولا أن الصمت سيبقى قدرًا محتومًا على أمة تمتلك من الطاقات البشرية والإمكانات ما يؤهلها لاستعادة دورها. فما زال في ضمائر الأحرار متسع للغضب، وفي قلوب المؤمنين مكان للتضامن، وفي أيدي القادرين ما يمكن أن يتحول إلى غذاء ودواء وإغاثة ومواقف عملية تنقذ الأرواح.

أما الشعب الفلسطيني، الذي يواجه واحدة من أقسى المآسي الإنسانية في العصر الحديث، فسيبقى صاحب الحق في أرضه وكرامته ومستقبله. وله أن يواصل نضاله المشروع من أجل الحرية وتقرير المصير، مستندًا إلى صموده وإرادته، وإلى حقه الذي لا تسقطه الحروب ولا تمحوه سنوات الحصار.

إن غزة لا تحتاج إلى مزيد من الخطب بقدر ما تحتاج إلى مواقف، ولا إلى بيانات جديدة بقدر ما تحتاج إلى الغذاء والدواء والمأوى والحماية. إنها تختبر اليوم صدقية القيم التي يتحدث عنها العالم، وتضع حكام العرب والمسلمين أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية لا يمكن محوها بالصمت أو التنصل منها بتبادل الاتهامات.

فالأمم لا تُقاس بما تملكه خزائنها من ثروات، بل بما تفعله حين يجوع المظلوم، ولا تُقاس قوة الدول بما تستعرضه من أسلحة، بل بما تمتلكه من إرادة لحماية الحق والكرامة الإنسانية.

وإن غدًا لناظره قريب، والتاريخ سيكتب من صمد تحت الحصار، ومن امتلك القدرة على الإغاثة فقصّر، ومن استطاع اتخاذ القرار فتردد. أما الشعوب التي تدفع ثمن الحرية والكرامة، فلن تُختزل حكايتها في لحظة ضعف، ولن تنتهي قضيتها ما دام وراء الحق من يؤمن به ويدافع عنه.

رئيس التحرير

محمد عبد الله محمدن

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى