قراءة تاريخية وسياسية في تجربة أول رئيس لموريتانيا، بين تحديات التأسيس ومكاسب بناء المؤسسات وإخفاقات الحكم

لم يكن التحدي الذي واجه المختار ولد داداه عند استقلال موريتانيا في 28 نوفمبر 1960 مجرد انتقال للسلطة من الإدارة الاستعمارية الفرنسية إلى حكومة وطنية، بل كان أصعب من ذلك بكثير: كيف يمكن تأسيس دولة حديثة على أرض مترامية الأطراف، تتباعد تجمعاتها السكانية، وتتشابك فيها الولاءات القبلية والاجتماعية، بينما تظل مؤسسات الإدارة والتعليم والصحة والدفاع محدودة، وتحيط بالكيان الجديد شكوك إقليمية ودولية حول قدرته على الاستمرار؟
كان الرجل أمام مهمة تتجاوز إدارة بلد قائم؛ إذ كان عليه أن يسهم في إيجاد مقومات الدولة نفسها، وأن يقنع السكان بأنهم ينتمون إلى كيان سياسي واحد، وأن يبني مؤسسات تتجاوز الحدود التقليدية للقبيلة والإمارة، وأن يؤمّن اعتراف العالم ببلاده في وقت كانت فيه الرباط تنازع على سيادتها، وكانت الحرب الباردة تؤثر في قرارات المنظمات الدولية.
امتدت تجربة ولد داداه من مرحلة الحكم الذاتي سنة 1957 إلى الإطاحة به في انقلاب عسكري يوم 10 يوليو 1978. وخلال هذه الفترة، انتقلت موريتانيا من جمهورية حديثة الاستقلال ذات مؤسسات محدودة إلى دولة لها إدارة وطنية وجيش وعملة ومؤسسات اقتصادية وتعليمية، لكنها انتهت في الوقت نفسه إلى نظام سياسي أحادي، واقتصاد مثقل بالأزمات، وحرب استنزفت قدراته العسكرية والمالية.
ولفهم هذه التجربة، ينبغي تجنب صورتين متقابلتين: صورة الزعيم الذي نجح في كل شيء، وصورة الحاكم الذي لم يترك وراءه إلا الإخفاقات. فالتاريخ الموريتاني في عهد ولد داداه يكشف عن إنجازات تأسيسية حقيقية، وعن اختيارات سياسية واقتصادية واستراتيجية أسهمت في إضعاف نظامه وانتهائه بانقلاب عسكري.
أولًا: موريتانيا عشية الاستقلال.. دولة على الورق ومجتمع يحتاج إلى مؤسسات جامعة
أُعلنت الجمهورية الإسلامية الموريتانية في 28 نوفمبر 1958، في إطار الجماعة الفرنسية، قبل أن تحصل على استقلالها في 28 نوفمبر 1960. وكان المختار ولد داداه قد تولى رئاسة أول حكومة ذاتية الحكم في البلاد سنة 1957، ما منحه فرصة لاكتساب خبرة مبكرة في إدارة الشؤون العامة والتعامل مع القوى السياسية والإدارة الفرنسية قبل الاستقلال.
لكن وجود حكومة وعاصمة ودستور لم يكن يعني أن موريتانيا امتلكت بالفعل جميع مقومات الدولة الحديثة.
كانت البلاد واسعة المساحة، قليلة السكان مقارنة بامتدادها الجغرافي، وتتوزع تجمعاتها البشرية بين المدن والواحات والقرى والمجالات الرعوية. وكانت وسائل النقل والاتصال محدودة، كما أن التقاليد السياسية والاجتماعية الموروثة جعلت القبيلة والإمارة والعشيرة والروابط الدينية مكونات أساسية في تنظيم المجتمع.
غير أن وصف المجتمع الموريتاني بأنه لم يكن يعرف الدولة مطلقًا سيكون وصفًا غير دقيق. فقد عرفت المنطقة قبل الاستعمار أشكالًا من التنظيم السياسي، شملت الإمارات والسلطات الدينية وشبكات العلماء والتجارة العابرة للصحراء. وكانت هذه التنظيمات تمتلك أعرافًا وآليات للسلطة والوساطة وتسوية النزاعات، وإن اختلفت عن مؤسسات الدولة الوطنية الحديثة.
كان التحدي، إذن، لا يتمثل في الانتقال من الفراغ السياسي إلى السلطة، وإنما في تحويل مجتمع تتعدد فيه مراكز النفوذ التقليدي إلى مجتمع تديره مؤسسات وطنية مشتركة، من دون تفجير التوازنات الاجتماعية التي يقوم عليها.
وفي المجال الإداري، لم تكن هناك قاعدة وطنية واسعة من الموظفين المتخصصين، ولا شبكة تعليم وصحة تغطي جميع المناطق، ولا بنية تحتية تسمح للدولة بممارسة سلطتها بالدرجة نفسها في مختلف أنحاء البلاد.
أما المؤسسة العسكرية، فكان عليها أن تتطور من قوة محدودة الإمكانات إلى جيش وطني قادر على حماية الحدود والتعامل مع التهديدات الخارجية.
وكانت العاصمة نواكشوط نفسها مدينة ناشئة، تحتاج إلى بناء المرافق الإدارية والسكنية والخدمات الأساسية، لتتحول تدريجيًا إلى مركز سياسي وإداري لدولة مستقلة.
هذه الظروف تفسر لماذا لم يكن الاستقلال، في الحالة الموريتانية، نهاية لمهمة التحرر فحسب، بل بداية لمعركة طويلة من أجل بناء الدولة.
ثانيًا: التحدي الأول.. تثبيت استقلال دولة شكك بعض جيرانها في وجودها
كان أحد أصعب الاختبارات التي واجهت ولد داداه هو أن موريتانيا لم تدخل النظام الدولي سنة 1960 باعتبارها دولة تحظى بإجماع إقليمي كامل على حدودها وسيادتها.
فقد تمسك المغرب بمطالبته بموريتانيا، معتبرًا إياها جزءًا من مجاله الوطني التاريخي. ولم تعترف المملكة المغربية باستقلالها إلا سنة 1969، بعد نحو تسع سنوات من إعلان الاستقلال.
ولم يكن الخلاف مجرد مسألة دبلوماسية؛ فقد مسّ السؤال الأساسي الذي تقوم عليه الدولة الجديدة: هل تستطيع موريتانيا أن تثبت أنها دولة مستقلة ذات سيادة وحدود معترف بها، أم ستظل مشروعًا سياسيًا متنازعًا عليه؟
وتوضح الوثائق الدبلوماسية الأمريكية والأممية أن النزاع حول موريتانيا ارتبط أيضًا بتنافس القوى الدولية ومواقف الدول العربية والأفريقية من تصفية الاستعمار وتحديد الحدود الموريتانية.
معركة الاعتراف الدولي
تجلت الصعوبة بوضوح في مسألة عضوية الأمم المتحدة.
فقد تعثرت محاولة انضمام موريتانيا إلى المنظمة الدولية في ديسمبر 1960، عندما لم يحصل مشروع التوصية بقبولها على الأصوات اللازمة في مجلس الأمن، بسبب المعارضة السوفيتية في سياق الحرب الباردة، فضلًا عن الجدل الذي أثارته المطالبات المغربية.
ولم تنضم موريتانيا إلى الأمم المتحدة إلا في 27 أكتوبر 1961، بعد اعتماد قرار قبولها بأغلبية الجمعية العامة.
كانت هذه النتيجة مهمة للغاية؛ إذ نقلت الدولة الجديدة من وضع تواجه فيه اعتراضات دولية على سيادتها إلى وضع أصبحت فيه عضوًا كاملًا في المنظمة التي تضم دول العالم.
نجاح ولد داداه في هذه المرحلة تمثل في تثبيت الشخصية الدولية لموريتانيا، ومواصلة التحرك الدبلوماسي حتى انتزاع الاعتراف الأممي، بدل أن يتحول الخلاف الإقليمي إلى عائق دائم أمام قيام الدولة.
واعتمد في ذلك على توسيع العلاقات الخارجية، والاستفادة من دعم فرنسا وعدد من الدول الأفريقية والغربية، مع السعي إلى تجنب الدخول في مواجهة عسكرية مع المغرب.
ولا ينبغي، مع ذلك، اختزال هذا النجاح في جهد شخصي منفرد؛ فقد أسهمت فيه أيضًا مواقف الدول الداعمة لاستقلال موريتانيا، والتحولات التي شهدتها أفريقيا في مرحلة تصفية الاستعمار، والتفاهمات الدولية التي أفضت إلى تسوية مسألة عضويتها في الأمم المتحدة.
المصدر الأساسي لهذه المرحلة هو سجل الأمم المتحدة التاريخي، ولا سيما وثائق مناقشة طلب العضوية وقرار الجمعية العامة الصادر في 27 أكتوبر 1961.
ثالثًا: كيف بنى ولد داداه سلطة مركزية في مجتمع تحكمه الروابط التقليدية؟
لم يكن بإمكان الدولة الجديدة أن تفرض سلطتها بالقوة وحدها. فالمجتمع الموريتاني كان يقوم على شبكات واسعة من القرابة والانتماء القبلي والروابط الدينية والمصالح الاقتصادية، وكانت هذه الشبكات تؤدي وظائف اجتماعية وسياسية لا تستطيع الإدارة الناشئة أن تحل محلها فورًا.
وكان على القيادة الجديدة أن تتعامل مع واقع لا تزال فيه الشخصيات التقليدية تحظى بنفوذ كبير، وأن تقنعها بالتعاون مع مؤسسات الدولة بدل اعتبارها منافسًا لها.
بناء الشرعية من داخل المجتمع
امتلك ولد داداه، بحكم خلفيته الاجتماعية والتعليمية وتجربته السياسية قبل الاستقلال، قدرة على التواصل مع قطاعات مختلفة من المجتمع والنخبة التقليدية.
ولم يتجه منذ البداية إلى إلغاء البنى الاجتماعية الموروثة، بل عمل على استيعابها داخل المجال السياسي الوطني، مستفيدًا من التفاهمات والتحالفات التي ربطت النخب التقليدية والفاعلين السياسيين بالإدارة الجديدة.
وكان لهذا النهج وجهان.
فمن جهة، ساعد على تخفيف احتمالات الصدام الداخلي، وفتح المجال أمام قيام إدارة وطنية في مجتمع لا تزال الدولة فيه حديثة العهد.
ومن جهة أخرى، جعل بناء السلطة المركزية مرتبطًا بدرجة كبيرة بالتوازنات بين النخب، بدل أن يستند بالكامل إلى مؤسسات مستقلة عن العلاقات الشخصية والقبلية.
وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية في التجربة الموريتانية: الآليات التي ساعدت ولد داداه على توحيد البلاد سياسيًا في مرحلة التأسيس أسهمت لاحقًا في ترسيخ نظام يعتمد على احتواء النخب أكثر مما يعتمد على المنافسة السياسية المفتوحة.
لم تكن الدولة تستطيع تجاهل البنية الاجتماعية، لكن المشكلة ظهرت عندما أصبح استيعاب القوى التقليدية جزءًا من منظومة الحكم، بدل أن يكون مرحلة انتقالية نحو مؤسسات أكثر استقلالًا.
من التعددية السياسية إلى الحزب الواحد
عند الاستقلال، لم تكن موريتانيا دولة الحزب الواحد. فقد عرفت مرحلة مبكرة من التنافس السياسي، في ظل دستور 1959 وتعدد التنظيمات الحزبية.
لكن النظام أخذ يتجه تدريجيًا نحو تركيز السلطة.
وفي سنة 1961، أُقر دستور جديد عزز موقع الرئيس، ثم اتجه ولد داداه إلى توحيد القوى السياسية في إطار الحزب الحاكم. وفي سنة 1965، جرى حظر الأحزاب المستقلة، وأصبح حزب الشعب الموريتاني الإطار السياسي القانوني المهيمن.
وفي سنة 1966، تعزز هذا المسار بترسيخ نظام الحزب الواحد، الذي استمر حتى سقوطه سنة 1978.
وتشير الدراسة الأكاديمية المنشورة في مجلة Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée إلى أن المؤسسات الموريتانية انتقلت خلال هذه الفترة من نظام برلماني متعدد الأحزاب إلى نظام رئاسي يهيمن عليه الحزب الواحد، قبل أن ينتهي المسار باستيلاء الجيش على السلطة.
كان تبرير هذا الاتجاه أن دولة حديثة التأسيس، تواجه تحديات الوحدة الوطنية وبناء المؤسسات، تحتاج إلى توحيد الجهود وتجنب الصراعات الحزبية.
لكن هذا التبرير لا يلغي الآثار السياسية المترتبة على القرار.
فإلغاء التعددية حرم المجتمع من آليات قانونية للتنافس على السلطة، وقلص قدرة المعارضة على مراقبة الحكومة، وجعل الحزب الحاكم أقرب إلى أداة لتعبئة المجتمع خلف القيادة منه إلى مؤسسة مستقلة تستطيع محاسبتها.
وهكذا ساعد تركيز السلطة على تسريع بعض القرارات الإدارية، لكنه أضعف في المقابل التوازنات السياسية التي يمكن أن تصحح أخطاء الحكم.
رابعًا: التعليم والإدارة والصحة.. كيف بدأت الدولة في بناء مؤسساتها؟
كان بناء المؤسسات من أهم المهام التي واجهت موريتانيا بعد الاستقلال.
فالدولة التي لا تمتلك عددًا كافيًا من المعلمين والأطباء والمهندسين والموظفين والقضاة، ولا تستطيع تكوينهم محليًا، تظل معتمدة على الخارج في تسيير شؤونها الأساسية.
وقد واجه ولد داداه هذه المشكلة من خلال توسيع الإدارة الوطنية، وتنمية التعليم، وتطوير البنية المؤسسية للدولة، وإنشاء الأطر اللازمة لتسيير الاقتصاد والخدمات العامة.
التعليم وتكوين الكوادر الوطنية
كان التعليم من المجالات الحاسمة في مشروع بناء الدولة.
فقد احتاجت موريتانيا إلى تكوين جيل جديد يستطيع العمل في الإدارة، وإدارة المؤسسات الاقتصادية، وتطوير الخدمات العامة، وتولي الوظائف التي كان يشغلها الأجانب أو التي لم تكن متاحة أصلًا بسبب نقص الكوادر المؤهلة.
وشمل ذلك توسيع فرص التعليم النظامي، وإنشاء المؤسسات التعليمية، وتنمية التعليم الثانوي والفني، والسعي إلى تكوين أطر وطنية تستطيع تحمل مسؤوليات الدولة.
لكن هذه العملية لم تكن سهلة؛ إذ انطلقت من قاعدة تعليمية محدودة، في بلد واسع المساحة ومتباعد التجمعات السكانية، وكانت موارده المالية والبشرية محدودة.
ولذلك لا يصح تصوير فترة ولد داداه على أنها أنهت مشكلة الأمية أو حققت تعميم التعليم. فقد كان التوسع التعليمي بداية لمسار طويل، وظلت الفوارق الجغرافية والاجتماعية ونقص الكوادر من التحديات التي تواجه البلاد.
الإدارة الوطنية
كان توطين الإدارة ضرورة سياسية وسيادية.
فالدولة التي تعلن استقلالها، لكنها لا تمتلك موظفين قادرين على إعداد الميزانية، وإدارة الجمارك، وتنظيم القضاء، وتسيير المرافق، وتطبيق القوانين، تظل استقلاليتها ناقصة من الناحية العملية.
لذلك اتجهت الدولة إلى بناء جهاز إداري وطني، وتطوير الوزارات والمصالح الحكومية، وتوسيع حضور السلطة المركزية خارج العاصمة.
ومع ذلك، ظلت الخبرات الأجنبية والمساعدات الخارجية مهمة في عدد من القطاعات، وهو أمر لم يكن خاصًا بموريتانيا، بل شمل دولًا أفريقية عديدة حصلت على استقلالها في الفترة نفسها.
وكان التحدي الحقيقي هو تحويل المساعدة الخارجية من بديل دائم عن الكفاءات الوطنية إلى وسيلة لتكوينها.
الصحة والبنية التحتية
في مجال الصحة، كانت البلاد بحاجة إلى إنشاء مرافق علاجية وتكوين أطباء وممرضين وتحسين الوصول إلى الخدمات الأساسية.
وفي مجال البنية التحتية، احتاجت الدولة إلى الطرق والاتصالات والمباني الإدارية ومرافق المياه والكهرباء، فضلًا عن تطوير العاصمة لتصبح مركزًا فعليًا للحكم.
وقد بدأت هذه العملية خلال عهد ولد داداه، لكنها لم تحقق تغطية متوازنة لجميع المناطق، وظلت الخدمات محدودة قياسًا إلى اتساع البلاد واحتياجات سكانها.
ومن المهم هنا التمييز بين أمرين: إنشاء المؤسسات في دولة لم تكن تمتلكها بالقدر الكافي، وتحقيق تنمية اجتماعية شاملة تصل ثمارها بالتساوي إلى جميع المواطنين.
الأول كان جزءًا من الإنجاز التأسيسي للعهد، أما الثاني فلم يتحقق على النحو الذي يسمح بالحديث عن تجاوز المشكلات البنيوية للتعليم والصحة والفقر.
خامسًا: الجيش والأمن.. كيف انتقلت موريتانيا إلى امتلاك مؤسسة عسكرية وطنية؟
كان بناء الجيش الوطني من مقتضيات السيادة، خاصة في ظل الخلاف حول الحدود، واتساع المجال الجغرافي، وضعف وسائل الاتصال والنقل.
وقد احتاجت موريتانيا إلى قوة عسكرية تستطيع حماية أراضيها، وتأمين المنشآت الحيوية، والمساهمة في تثبيت سلطة الدولة.
لكن المؤسسة العسكرية لم تكن في السنوات الأولى قادرة على القيام بجميع هذه المهام بمعزل عن الدعم الخارجي، بالنظر إلى محدودية الموارد البشرية والمالية والتجهيزات.
وفي هذا السياق، حافظ ولد داداه على علاقات تعاون وثيقة مع فرنسا، مع السعي إلى توسيع علاقات بلاده الدولية.
وكان التعاون الخارجي يوفر للدولة الناشئة موارد وخبرات لم تكن قادرة على توفيرها داخليًا بالسرعة المطلوبة.
غير أن بناء الجيش حمل مفارقة ظهرت بوضوح في نهاية عهده.
فالمؤسسة التي أُنشئت لحماية الدولة أصبحت، مع مرور الوقت، تمتلك من التنظيم والقدرة على التحرك ما سمح لها بالتدخل في السياسة والاستيلاء على السلطة سنة 1978.
ولا يعني ذلك أن بناء الجيش كان خطأ في ذاته؛ فوجود مؤسسة عسكرية وطنية ضرورة لأي دولة مستقلة. لكن المشكلة تمثلت في عدم ترسيخ توازن مستقر بين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية، وعدم توفير آليات سياسية قادرة على معالجة الأزمات التي تصيب النظام قبل أن تتدخل المؤسسة العسكرية.
وعندما تزامنت الخسائر العسكرية في حرب الصحراء مع الضغوط الاقتصادية والانقسامات داخل النخبة الحاكمة، لم تعد السلطة قادرة على منع الجيش من التحول إلى طرف سياسي مباشر.
سادسًا: الاقتصاد الوطني.. من الاعتماد على الخارج إلى محاولة بناء قاعدة إنتاجية
كان الاقتصاد أحد أكثر المجالات تعقيدًا في تجربة ولد داداه.
فموريتانيا ورثت بنية اقتصادية محدودة، تقوم أجزاء مهمة منها على الرعي والزراعة الواحية والتجارة، في حين لم تكن لديها قاعدة صناعية واسعة أو موارد مالية كافية لتلبية احتياجات التنمية.
وكان على الدولة أن تبحث عن مصادر دخل تمول بها الإدارة والتعليم والصحة والبنية التحتية، وأن تنشئ مؤسسات اقتصادية وطنية تستطيع استغلال الموارد الطبيعية.
مناجم الحديد وتأسيس الصناعة الاستخراجية
مثّل استغلال خام الحديد في منطقة الزويرات، وتطوير شركة المناجم الوطنية المعروفة باسم «سنيم»، أحد أبرز التحولات الاقتصادية في عهد ولد داداه.
فقد بدأ تصدير الحديد سنة 1963، وأصبحت هذه الصناعة مصدرًا مهمًا للعملات الأجنبية والإيرادات، وربطت الاقتصاد الموريتاني بالأسواق الدولية.
كما أسهمت مشاريع التعدين والنقل المرتبطة بها في تطوير البنية التحتية، ولا سيما السكك الحديدية التي تربط مناطق الإنتاج بميناء التصدير في نواذيبو.
وكان لهذا التحول أثر يتجاوز الإيرادات المالية المباشرة؛ إذ أتاح للدولة دخول مجال الإنتاج الصناعي المنظم، وفتح فرصًا للعمل، وساعد على تكوين خبرات إدارية وفنية جديدة.
لكن الاعتماد على التعدين حمل أيضًا مخاطر بنيوية.
فاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على تصدير مادة أولية يصبح معرضًا لتقلبات الأسعار العالمية، ولا يستطيع بالضرورة تحويل الإيرادات إلى تنمية واسعة ما لم تترافق الصناعة الاستخراجية مع سياسات فعالة لتنويع الإنتاج وتطوير الزراعة والثروة الحيوانية والصناعات التحويلية.
وهنا ينبغي عدم الخلط بين إنشاء قطاع اقتصادي حديث وتحقيق تحول اقتصادي شامل.
لقد ساعد الحديد على توفير موارد للدولة، لكنه لم ينهِ هشاشة الاقتصاد أو يضمن توزيعًا متوازنًا لعوائد التنمية.
العملة الوطنية والاستقلال المالي
من الخطوات المهمة في تعزيز السيادة الاقتصادية إنشاء العملة الوطنية، الأوقية، التي بدأ تداولها سنة 1973، بالتزامن مع خروج موريتانيا من منطقة الفرنك المالي.
مثّل ذلك تحولًا مهمًا في إدارة السياسة النقدية، لأنه منح الدولة مجالًا أوسع لتنظيم شؤونها المالية والنقدية.
لكن الاستقلال النقدي لا يضمن تلقائيًا الاستقرار الاقتصادي؛ إذ يتوقف نجاحه على قدرة الدولة على إدارة الإنفاق العام، والحفاظ على الثقة بالعملة، وتوفير موارد إنتاجية حقيقية، وضبط الاختلالات المالية.
وكانت هذه التحديات ستزداد صعوبة مع تراجع الأوضاع الاقتصادية في النصف الثاني من السبعينيات، ثم دخول البلاد في حرب الصحراء.
سابعًا: الاستقلال الثقافي واللغوي.. مشروع بناء هوية وطنية موحدة
لم تكن الدولة التي أراد ولد داداه بناءها مجرد جهاز إداري أو اقتصادي، بل كانت تحتاج أيضًا إلى تصور للهوية الوطنية.
فموريتانيا تضم مكونات عربية وأفريقية متعددة، وتاريخًا اجتماعيًا وثقافيًا تشكل عبر التفاعل بين الصحراء والمجالات الواقعة جنوبها، وبين التجارة والعلم الإسلامي والرعي والزراعة.
وكانت العربية لغة ذات مكانة مركزية في الدين والثقافة والتعليم التقليدي، بينما احتفظت اللغات الوطنية الأخرى بمواقع أساسية في حياة مجتمعاتها، وظلت الفرنسية حاضرة في الإدارة والتعليم النظامي والاتصالات الخارجية.
وكان التحدي يتمثل في بناء هوية وطنية مشتركة من دون تحويل التنوع الثقافي واللغوي إلى مصدر دائم للتنافس والصراع.
وقد اتجه النظام إلى تعزيز مكانة العربية والهوية الإسلامية، مع استمرار حضور الفرنسية في مجالات مهمة من الإدارة والتعليم.
لكن السياسات اللغوية والتعليمية أثارت خلافات بشأن التمثيل والمساواة ومكانة المكونات الوطنية المختلفة.
وتصاعدت التوترات المرتبطة بالهوية والتعليم واللغة في أواخر الستينيات، وظهرت أزمة حادة سنة 1966، عندما تفجرت احتجاجات وصدامات على خلفية التوترات اللغوية والتعليمية.
تكشف هذه الأحداث أن بناء الهوية الوطنية لا يتحقق بمجرد إعلان الوحدة أو اختيار لغة رسمية؛ بل يتطلب سياسات تضمن شعور جميع المكونات بأن الدولة تمثلها، وأن مؤسساتها لا تميز بينها في الفرص والحقوق.
ولذلك، فإن تجربة ولد داداه في هذا المجال لا يمكن اختزالها في نجاح توحيد الهوية، ولا في إخفاق مطلق؛ فقد أسهمت في ترسيخ مؤسسات الدولة ورمزيتها الوطنية، لكنها لم تمنع استمرار الخلافات بشأن العلاقة بين العروبة والأفريقانية، وموقع اللغات الوطنية، وكيفية توزيع فرص التعليم والوظائف.
ثامنًا: الاستقلال عن فرنسا.. هل تحررت موريتانيا من النفوذ الاستعماري؟
كان تحقيق الاستقلال السياسي سنة 1960 خطوة حاسمة، لكن الاستقلال الفعلي عن النفوذ الاستعماري لا يتحقق بمجرد رفع العلم الوطني.
فالدولة الجديدة كانت تحتاج إلى الخبرة الفنية والتمويل والتكوين العسكري والعلاقات التجارية، وكانت فرنسا تمتلك موقعًا مهمًا في هذه المجالات.
حافظ ولد داداه على علاقات وثيقة مع باريس، لكنه عمل أيضًا على توسيع علاقات موريتانيا مع دول أخرى، من بينها الصين، وعلى تنويع علاقاتها الخارجية.
وكان هذا التوجه جزءًا من سياسة تسعى إلى تحقيق توازن بين ضرورات التعاون مع القوة الاستعمارية السابقة ومتطلبات السيادة الوطنية.
ولا يصح اعتبار استمرار العلاقات مع فرنسا دليلًا كافيًا على غياب الاستقلال، كما لا يصح اعتبار الاستقلال القانوني دليلًا على زوال جميع أشكال الاعتماد الخارجي.
فقد كانت موريتانيا تحتاج إلى التكنولوجيا والتمويل والخبرات، وكان من الصعب على دولة محدودة الموارد أن تستغني عنها بصورة فورية.
وكان السؤال الأساسي هو: هل تستخدم الدولة علاقاتها الخارجية لبناء قدراتها الوطنية، أم تتحول تلك العلاقات إلى بديل دائم عن تطويرها؟
في عهد ولد داداه، تحققت خطوات مهمة في بناء المؤسسات الوطنية، لكن الاعتماد على المساعدات والخبرات الخارجية ظل عنصرًا مؤثرًا في الاقتصاد والإدارة والدفاع.
وبذلك، كانت تجربة الاستقلال مزيجًا من توسيع السيادة الوطنية واستمرار الاعتماد على الخارج، وهي معادلة واجهت معظم الدول الأفريقية التي حصلت على استقلالها خلال تلك المرحلة.
تاسعًا: أخطاء ولد داداه وإخفاقاته.. لماذا لم تستمر التجربة؟
لا يمكن فهم نهاية حكم ولد داداه من خلال الحرب وحدها، ولا من خلال طبيعة النظام السياسي وحدها. فقد تضافرت مجموعة من العوامل السياسية والاقتصادية والعسكرية، حتى أصبح النظام أكثر هشاشة مما كان عليه في سنوات التأسيس.
أولًا: إضعاف التعددية السياسية
كان التحول إلى الحزب الواحد من أبرز الخيارات السياسية التي اتخذها ولد داداه.
وقد أتاح هذا النظام للسلطة توحيد جزء كبير من النشاط السياسي داخل إطار واحد، لكنه أضعف المعارضة القانونية وقلص إمكانات المحاسبة والتداول السلمي للسلطة.
ومع غياب التنافس السياسي الفعلي، أصبح من الصعب تحويل الاعتراضات الاجتماعية والاقتصادية إلى نقاش مؤسسي منظم، كما ازدادت أهمية العلاقات داخل النخبة الحاكمة والدوائر القريبة من السلطة.
وكانت هذه إحدى المشكلات البنيوية للنظام: فقد نجح في توسيع سلطة الدولة، لكنه لم يطور بالقدر نفسه المؤسسات القادرة على مراقبة هذه السلطة ومساءلتها.
ثانيًا: محدودية المشاركة السياسية
لم يكن التحدي في مجتمع متعدد البنى الاجتماعية أن تفرض الدولة حضورها فحسب، بل أن تجعل المواطنين شركاء في تحديد سياساتها.
لكن تركيز القرار في الرئاسة والحزب الحاكم حدّ من قدرة المؤسسات السياسية على التعبير عن التعدد الاجتماعي.
كما أن الاعتماد على التفاهمات بين النخب، وإن كان مفيدًا في مرحلة التأسيس، جعل استقرار النظام مرتبطًا ببقاء التحالفات السياسية والاجتماعية التي يستند إليها.
وعندما تصدعت هذه التحالفات في أواخر السبعينيات، لم تكن هناك مؤسسات سياسية قوية بما يكفي لاستيعاب الأزمة وإعادة تنظيم العلاقة بين السلطة ومختلف القوى الوطنية.
ثالثًا: عدم كفاية التحول الاقتصادي
شهدت البلاد تطورًا في التعدين والبنية التحتية والإدارة الاقتصادية، لكن التحول لم يصل إلى مستوى يزيل اعتماد الاقتصاد على قطاعات محدودة.
وظلت الزراعة والرعي عرضتين للتقلبات المناخية، كما بقيت الخدمات الأساسية محدودة في مناطق واسعة.
وكان توسيع قاعدة الإنتاج وتنويع مصادر الدخل ضرورة لتقليل أثر تقلبات الأسواق الخارجية، لكن الموارد المتاحة لم تسمح بتحقيق تحول اقتصادي شامل.
ولا ينبغي تحميل ولد داداه وحده مسؤولية كل الصعوبات الاقتصادية؛ فبعضها ارتبط بطبيعة الاقتصاد الموروث، وضيق السوق المحلية، وضعف الموارد البشرية، والظروف المناخية. ومع ذلك، فإن تقييم سياسته يقتضي النظر في مدى قدرة الخيارات الحكومية على تخفيف هذه الاختلالات بدل تعميقها.
رابعًا: حرب الصحراء الغربية.. المنعطف الذي غيّر مسار النظام
إذا كان بناء المؤسسات قد منح عهد ولد داداه قدرًا من الاستقرار في سنواته الأولى، فإن قضية الصحراء الغربية كانت من العوامل الأساسية التي هددت هذا الاستقرار في نهايته.
بعد انسحاب إسبانيا من الصحراء الغربية سنة 1975، دخلت المنطقة مرحلة صراع بين المغرب وموريتانيا من جهة، وجبهة البوليساريو المطالبة باستقلال الإقليم من جهة أخرى، مع دور جزائري بارز في دعم البوليساريو.
وفي نوفمبر 1975، وقّعت موريتانيا والمغرب اتفاق مدريد مع إسبانيا بشأن إدارة الإقليم، ثم دخلت موريتانيا في مواجهة عسكرية مع البوليساريو.
وفي أبريل 1976، قُسم الإقليم بين موريتانيا والمغرب بموجب اتفاق ثنائي، فأصبحت موريتانيا تسيطر على الجزء الجنوبي الذي عُرف باسم وادي الذهب، فيما بسط المغرب سيطرته على الجزء الشمالي.
كان قرار المشاركة في الحرب من أكثر قرارات عهد ولد داداه كلفة.
فقد واجه الجيش الموريتاني قوة تعتمد على حرب العصابات، وتعمل في مجال صحراوي واسع، وتستفيد من معرفة جغرافية المنطقة ومن الدعم الخارجي.
وكانت موريتانيا أقل قدرة من المغرب على تحمل حرب طويلة من حيث الموارد البشرية والمالية والعسكرية.
وتعرضت العاصمة نواكشوط لهجوم شنته قوات البوليساريو سنة 1976، كما استهدفت الهجمات منشآت اقتصادية حيوية، وأثرت الحرب في صادرات الحديد وفي النشاط الاقتصادي عمومًا. وتظهر وثائق دبلوماسية أمريكية من تلك المرحلة أن الضغط على الاقتصاد الموريتاني وإضعاف نظام ولد داداه كانا من أهداف العمليات التي شنتها البوليساريو.
لم تكن المشكلة في مجرد دخول حرب؛ فالدول قد تضطر إلى اتخاذ قرارات عسكرية لحماية مصالحها. لكن الإخفاق الاستراتيجي الأبرز تمثل في عدم التناسب بين أهداف السياسة الخارجية والقدرات الفعلية للدولة.
فقد انخرطت موريتانيا في نزاع إقليمي شديد التعقيد، بينما كانت لا تزال في مرحلة بناء جيشها واقتصادها ومؤسساتها.
وأصبحت الحرب تستنزف الموارد التي تحتاج إليها الدولة لتطوير الخدمات العامة، وأثارت استياء داخل المؤسسة العسكرية، وعمّقت الخلافات حول مستقبل السياسة الخارجية.
خامسًا: الأزمة الاقتصادية والمالية
تزامنت الحرب مع صعوبات اقتصادية متزايدة، فازدادت الضغوط على المالية العامة، وتعرضت الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالتعدين لاضطرابات بسبب استهداف المنشآت وخطوط النقل.
كما واجهت الدولة تحديات في تمويل الإنفاق العسكري والخدمات العامة في الوقت نفسه.
ولم يكن الاقتصاد الموريتاني يمتلك قاعدة متنوعة تمكّنه من امتصاص صدمة طويلة بهذا الحجم بسهولة.
وكان من نتائج ذلك تراجع قدرة النظام على الحفاظ على التوازن بين احتياجات الجيش ومطالب الإدارة ومتطلبات التنمية.
ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن العوامل الخارجية، لكنها كشفت أيضًا حدود النموذج الاقتصادي الذي ظل يعتمد بدرجة كبيرة على قطاعات محدودة وعلى علاقات التعاون الخارجي.
سادسًا: تآكل العلاقة بين الرئيس والجيش
كان الجيش أحد أعمدة الدولة التي عمل ولد داداه على بنائها، لكن الحرب وضعته في قلب أزمة النظام.
فمع استمرار العمليات العسكرية وتزايد الخسائر والضغوط المالية، تصاعد التذمر داخل المؤسسة العسكرية من إدارة الحرب ومن تكلفتها.
وأصبحت العلاقة بين القيادة السياسية والقيادات العسكرية أكثر توترًا، في وقت كانت فيه المؤسسات السياسية المدنية قد فقدت جزءًا مهمًا من قدرتها على احتواء الأزمات.
وفي 10 يوليو 1978، أطاح ضباط عسكريون بولد داداه في انقلاب أنهى حكمه الذي استمر منذ الاستقلال.
وكانت الحرب والأزمة الاقتصادية والتذمر داخل الجيش من أبرز العوامل التي مهدت للانقلاب، وإن كان تفسير سقوط النظام يقتضي النظر أيضًا في طبيعة السلطة السياسية ومحدودية آليات المشاركة والمحاسبة.
عاشرًا: هل كان سقوط ولد داداه دليلًا على فشل مشروع بناء الدولة؟
الإجابة التاريخية تقتضي التمييز بين بقاء الدولة واستمرار النظام السياسي.
فقد سقط نظام ولد داداه، لكن موريتانيا لم تختفِ من الخريطة، ولم تنهَر شخصيتها الدولية، ولم تتوقف مؤسساتها الوطنية عن الوجود.
وهذا يعني أن مشروع بناء الدولة حقق نتائج تجاوزت مصير النظام الذي قاده.
لقد ساهمت سنوات حكمه في ترسيخ الشخصية الدولية لموريتانيا، وبناء الإدارة الوطنية، وتطوير قطاع التعدين، وإنشاء مؤسسات اقتصادية وتعليمية، وتعزيز حضور العاصمة، وتوسيع قدرة الدولة على إدارة شؤونها.
لكن هذه الإنجازات لم تمنع وقوع انقلاب عسكري، ولم تضمن قيام نظام سياسي قادر على معالجة الأزمات بصورة مؤسسية.
وهنا تكمن المفارقة: استطاع ولد داداه أن يسهم في بناء دولة مستقلة، لكنه لم ينجح في بناء نظام سياسي مدني مستقر بما يكفي لحماية تجربته من الانهيار.
فالدولة ليست هي الحكومة، والحكومة ليست هي النظام السياسي. وقد تستمر مؤسسات الدولة بعد سقوط الحاكم، بينما تتغير قواعد السلطة وآليات اتخاذ القرار بصورة جذرية.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن تجربة ولد داداه حققت نجاحًا تأسيسيًا مهمًا، لكنها كشفت في الوقت نفسه عن هشاشة البناء السياسي الذي قام عليه نظامه.
الحادي عشر: ماذا تقول لنا التجربة الموريتانية اليوم؟
تتجاوز أهمية عهد ولد داداه حدود السرد التاريخي؛ إذ تطرح تجربته أسئلة ما تزال ذات قيمة في دراسة بناء الدول.
أول هذه الأسئلة هو العلاقة بين الوحدة الوطنية والتعددية السياسية. فقد تحتاج الدولة الناشئة إلى قدر من التوافق حول مؤسساتها وحدودها وهويتها، لكن تحويل هذا التوافق إلى احتكار دائم للسلطة يمكن أن يضعف شرعيتها على المدى الطويل.
والسؤال الثاني يتعلق بالعلاقة بين القيادة والمؤسسات. فقد يستطيع قائد يتمتع بقدرة على التفاوض وبناء التحالفات أن يدير مرحلة التأسيس بكفاءة نسبية، لكن الدولة المستقرة تحتاج إلى مؤسسات تستطيع العمل من دون الاعتماد على شخص واحد.
أما السؤال الثالث فيتعلق بالتنمية الاقتصادية. فامتلاك مورد معدني أو قطاع تصديري مهم لا يكفي وحده لتحقيق الازدهار، ما لم تترافق الإيرادات مع سياسات تنويع الإنتاج، وتكوين الكفاءات، وتوسيع الخدمات الأساسية، وتحسين توزيع الفرص.
ويبرز السؤال الرابع في العلاقة بين الطموح الخارجي والقدرات الداخلية. فالدولة تحتاج إلى حماية مصالحها الإقليمية، لكنها مطالبة أيضًا بتقدير قدرتها على تحمل تكاليف الصراع، وموازنة المكاسب المحتملة بالمخاطر التي قد تهدد استقرارها.
وأخيرًا، تذكّر التجربة بأن الجيش، مهما كانت أهميته في حماية السيادة، ينبغي أن يعمل في إطار مؤسسات دستورية تضمن خضوعه للسلطة المدنية، لأن اختلال هذا التوازن قد يجعل المؤسسة العسكرية طرفًا في التنافس على الحكم.
خاتمة: رجل التأسيس وحدود المشروع
عندما تسلم المختار ولد داداه مسؤولية قيادة موريتانيا في مرحلة الحكم الذاتي، لم تكن الدولة تمتلك قاعدة مؤسسية واسعة، ولا اقتصادًا متنوعًا، ولا جهازًا إداريًا مكتمل الكفاءات. وكانت تواجه نزاعًا إقليميًا حول سيادتها، إلى جانب تحديات بناء الوحدة الوطنية وتوفير الخدمات الأساسية.
وقد أسهم الرجل في تحويل الاستقلال من إعلان سياسي إلى كيان يمتلك مؤسسات وعلاقات دولية وموارد اقتصادية وأدوات لإدارة شؤونه. ولم يكن ذلك إنجازًا فرديًا معزولًا، بل حصيلة تفاعل بين القيادة السياسية والمجتمع والنخب الوطنية والمساعدات الخارجية والظروف الدولية.
لكن المشروع نفسه حمل تناقضاته. فقد تركزت السلطة تدريجيًا في الرئاسة والحزب الحاكم، وتراجعت التعددية السياسية، ولم تتطور آليات المحاسبة بالقدر الذي يوازي اتساع سلطة الدولة. كما ظلت البنية الاقتصادية محدودة التنوع، ثم جاءت حرب الصحراء لتستنزف الموارد وتضعف العلاقة بين القيادة السياسية والجيش.
ولذلك، لا تكمن القيمة التاريخية لعهد ولد داداه في اعتباره تجربة ناجحة بالكامل أو فاشلة بالكامل، وإنما في فهم ما أنجزه وما عجز عن تحقيقه، وكيف أسهمت اختياراته السياسية والاستراتيجية في تشكيل المسار اللاحق للدولة الموريتانية.
لقد نجح المختار ولد داداه في الإسهام في تأسيس الدولة الموريتانية وتثبيت استقلالها، لكنه لم ينجح في بناء نظام سياسي قادر على ضمان استقرار حكمه في مواجهة الأزمات الكبرى.
وهذا هو الفارق بين تأسيس الدولة وترسيخ الحكم الدستوري: قد ينجح القائد في بناء المؤسسات الأولى، لكن استمرار الدولة واستقرارها يحتاجان إلى ما هو أبعد من قدرة شخص واحد على القيادة؛ يحتاجان إلى مؤسسات مستقلة، واقتصاد قادر على تحمل الصدمات، ومشاركة سياسية تسمح بتصحيح الأخطاء قبل أن تتحول إلى أزمات تهدد النظام بأكمله.









