الإختناق المروري في نواكشوط .. هل تملك الحكومة الجديدة مفاتيح الحل؟

لم يعد الاختناق المروري في العاصمة نواكشوط مجرد مشكلة يومية عابرة، بل تحول إلى معضلة حضرية تؤثر في حياة المواطنين، وتستنزف أوقاتهم، وتضاعف تكاليف تنقلاتهم، وتعرقل حركة الأنشطة الاقتصادية والتجارية، فضلًا عن انعكاساتها على السلامة الطرقية والبيئة وجودة الحياة داخل المدينة.
ومع التوسع العمراني المتسارع، وتزايد أعداد السيارات الخاصة وسيارات الأجرة ومركبات النقل المختلفة، أصبحت العديد من الشوارع والتقاطعات الرئيسية عاجزة عن استيعاب حجم الحركة المرورية، خصوصًا خلال ساعات الذروة، حيث تتشكل طوابير طويلة من السيارات، ويتحول الوصول إلى أماكن العمل والأسواق والمؤسسات التعليمية والإدارية إلى رحلة يومية مرهقة.
وفي ظل تشكيل حكومة جديدة، يبرز سؤال جوهري: هل يمكن أن يصبح فك الاختناق المروري أحد الملفات ذات الأولوية، من خلال خطة حكومية متكاملة تتجاوز الحلول الظرفية إلى معالجة الأسباب البنيوية للأزمة؟
أولًا: هل كثرة السيارات هي السبب الوحيد؟
من السهل إرجاع أزمة المرور إلى الزيادة المتواصلة في أعداد السيارات، غير أن المعالجة الموضوعية تقتضي النظر إلى المشكلة باعتبارها نتيجة تفاعل عدة عوامل، لا مجرد ارتفاع عدد المركبات.
فزيادة السيارات تصبح أكثر تأثيرًا عندما لا تقابلها منظومة نقل عام فعالة، وشبكة طرق تستوعب الحركة المتزايدة، وتنظيم صارم للوقوف والتوقف، وتخطيط حضري يراعي التوزيع الجغرافي للسكان والأنشطة الاقتصادية والخدمية.
وتواجه نواكشوط تحديات مرتبطة بالنمو السكاني والامتداد العمراني الأفقي، فضلًا عن تركز عدد من الأنشطة في محاور ومناطق محددة، ما يفرض ضغطًا متزايدًا على الطرق والتقاطعات الرئيسية.
كما يسهم الوقوف العشوائي، وتوقف سيارات الأجرة في الأماكن غير المخصصة لها، واحتلال الأرصفة والطرق من طرف بعض الأنشطة التجارية، وضعف الالتزام بقواعد السير، في تقليص المساحة المتاحة لحركة المركبات والمشاة.
وتضاف إلى ذلك حركة الشاحنات المتجهة إلى الميناء أو الخارجة منه، وتداخل حركة النقل الحضري مع النقل بين المدن، فضلًا عن عدم انتظام بعض خدمات النقل العمومي.
وبالتالي، فإن اختزال الأزمة في كثرة السيارات وحدها قد يقود إلى حلول محدودة الأثر، بينما يتطلب تجاوزها إصلاحًا متزامنًا للبنية التحتية والنقل العام وإدارة الطرق والسلوك المروري.
ثانيًا: ماذا يمكن للحكومة الجديدة أن تفعل؟
- إطلاق خطة استعجالية لفك الاختناق في المحاور الرئيسية
تستطيع الحكومة اتخاذ إجراءات عاجلة لا تتطلب انتظار إنجاز مشاريع كبرى، من خلال إعداد خريطة دقيقة للنقاط التي تشهد أكبر الاختناقات، وتحديد أسبابها، ثم وضع تدخلات ميدانية خاصة بكل موقع.
وتشمل هذه الإجراءات إعادة تنظيم التقاطعات، وتحديد أماكن الوقوف والتوقف، ومنع التوقف المعيق لحركة السير، وإزالة العوائق التي تحتل أجزاء من الطرق، مع تخصيص فرق مرورية للمحاور الأكثر ازدحامًا خلال ساعات الذروة.
كما ينبغي مراجعة توقيت عمل إشارات المرور، حيثما وجدت، وفق حجم الحركة في كل اتجاه، والاستعانة بوسائل الرصد الحديثة لتحديد الاختناقات والتدخل السريع عند وقوع الحوادث أو تعطل المركبات.
ويمكن اعتماد خطة تجريبية في عدد محدود من التقاطعات، مع قياس نتائجها قبل تعميمها على بقية العاصمة. - جعل النقل العمومي البديل الحقيقي للسيارات الخاصة
يمثل تطوير النقل العمومي أحد أهم الحلول المستدامة للاختناق المروري؛ إذ لا يمكن مطالبة المواطنين بالتخلي عن سياراتهم الخاصة إذا لم تتوافر لهم بدائل منتظمة ومريحة وآمنة.
وفي هذا السياق، سبق أن أعلنت السلطات الموريتانية مشروع «حركية نواكشوط 2026»، الذي يستهدف تطوير النقل الحضري من خلال حافلات ذات جودة عالية، ومسارات مخصصة للنقل العام بطول 51 كيلومترًا، إلى جانب إعادة تأهيل التقاطعات وتحسين إدارة حركة المرور.
كما أعلنت الحكومة عن إطلاق مرحلة أولى من مشروع النقل الحضري، تضمنت خطة لتعزيز أسطول النقل العمومي وتنظيم بعض جوانب الوقوف ونقل البضائع داخل العاصمة.
والمطلوب من الحكومة الجديدة هو البناء على هذه البرامج، وتقييم ما تحقق منها على أرض الواقع، وتحديد ما تعثر، ووضع جدول زمني واضح لاستكمال المكونات المبرمجة.
ويقتضي ذلك:
توفير حافلات كافية تغطي الأحياء الطرفية والمركزية.
احترام مواعيد الانطلاق والوصول، وتقليص فترات الانتظار.
إنشاء محطات واضحة ومجهزة، بعيدًا عن وسط الطريق.
تخصيص مسارات للحافلات في المحاور التي تسمح بذلك.
اعتماد أسعار مناسبة تشجع المواطنين على استخدام النقل الجماعي.
ربط الأحياء السكنية بمراكز العمل والأسواق والجامعات والمستشفيات.
فكلما أصبح النقل العام أكثر انتظامًا وموثوقية، ازدادت فرص انتقال المواطنين إليه بدل استخدام السيارات الخاصة في كل رحلة. - تنظيم سيارات الأجرة والنقل الحضري
لا يكفي زيادة عدد الحافلات إذا ظلت سيارات الأجرة ومركبات النقل الحضري تعمل دون تنظيم فعال لمحطاتها ومساراتها وأماكن توقفها.
ولهذا، ينبغي تحديد محطات رسمية لسيارات الأجرة، ومنع الوقوف العشوائي عند التقاطعات ومداخل الأسواق والمؤسسات، مع تخصيص أماكن آمنة لصعود الركاب ونزولهم.
كما يمكن تنظيم بعض المسارات وفق الحاجة الفعلية، وتحديد قواعد واضحة لتوقف المركبات وانتظارها، بالتنسيق مع ممثلي الناقلين والسلطات المحلية.
ويجب أن تراعي هذه الإجراءات مصالح العاملين في القطاع، وألا تتحول إلى قرارات مفاجئة تحرمهم من مصادر رزقهم، بل أن تقوم على التشاور والتنظيم التدريجي وتوفير البدائل المناسبة. - معالجة الوقوف العشوائي واحتلال المجال العام
تُفقد بعض الطرق جزءًا من قدرتها الاستيعابية بسبب وقوف السيارات على جانبيها، أو توقفها أمام المحلات التجارية، أو استخدامها مواقف دائمة للمركبات.
ولذلك، تحتاج العاصمة إلى سياسة واضحة للوقوف، تحدد الأماكن المسموح بها والممنوعة، وتوفر مواقف قريبة من الأسواق والمراكز التجارية والإدارية.
ويمكن إنشاء مواقف متعددة الطوابق في المناطق ذات الكثافة المرتفعة، متى أثبتت الدراسات جدواها الاقتصادية، إلى جانب تنظيم مواقف مدفوعة في المواقع التي تتوافر فيها بدائل مناسبة.
ومن المهم أيضًا معالجة احتلال الأرصفة من طرف الباعة والورش والأنشطة التجارية، مع توفير مواقع بديلة للأنشطة التي تحتاج إليها، حتى لا تقتصر المعالجة على إزالة العوائق مؤقتًا ثم عودتها بعد فترة.
وقد سبق للسلطات أن نفذت حملات لتنظيم المجال العام ونقل بعض محطات سيارات الأجرة وإخلاء مواقع كانت تعيق المرور، وهو ما يبرز أهمية استمرار الرقابة وعدم الاكتفاء بالحملات الموسمية. - تطبيق القانون المروري بعدالة وصرامة
لا يمكن لأي خطة مرورية أن تحقق أهدافها إذا ظل بعض السائقين يتجاوزون قواعد السير دون ردع فعال.
ومن هنا، ينبغي تكثيف الرقابة على الوقوف الممنوع، والقيادة المتهورة، وعدم احترام الإشارات، وإغلاق التقاطعات، والتوقف المفاجئ في المسارات الحيوية.
كما يمكن توسيع استخدام الكاميرات وأنظمة الرصد الإلكتروني، وربط المخالفات بإجراءات واضحة للتحصيل والمتابعة، بما يضمن الشفافية ويحد من الانتقائية في تطبيق القانون.
غير أن نجاح الرقابة لا يقاس بعدد المخالفات المسجلة فحسب، بل بمدى انخفاض السلوكيات المسببة للازدحام وتحسن انسيابية المرور.
وينبغي أن تترافق الإجراءات الردعية مع حملات توعية مستمرة، تشرح للسائقين والمواطنين أن احترام قواعد السير مسؤولية جماعية، وأن تعطيل الطريق بسبب الوقوف غير القانوني قد يؤثر في مئات الأشخاص. - إعادة تنظيم حركة الشاحنات داخل العاصمة
تشكل حركة الشاحنات الثقيلة تحديًا إضافيًا عندما تتزامن مع حركة السيارات اليومية في المحاور المزدحمة، خصوصًا الطرق المؤدية إلى الميناء ومناطق التخزين والأسواق.
ويمكن للحكومة تنظيم مرور الشاحنات وفق فترات زمنية محددة، بحيث تُوجَّه عمليات النقل الثقيل، قدر الإمكان، إلى الساعات الأقل ازدحامًا، مع مراعاة متطلبات السلامة وطبيعة البضائع والقيود التشغيلية.
كما ينبغي تخصيص مسارات مناسبة للشاحنات عند الإمكان، وتطوير مناطق لوجستية خارج المناطق الأكثر كثافة، تسمح بتجميع البضائع وإعادة توزيعها بواسطة مركبات أصغر.
ويُستحسن أن يصاحب ذلك تنظيم واضح لمواعيد دخول الشاحنات إلى الأسواق والمناطق التجارية، بالتنسيق مع الميناء والناقلين والجهات المعنية. - تطوير التقاطعات والطرق وفق دراسات مرورية
قد تسهم الجسور والأنفاق وإعادة تصميم التقاطعات في تخفيف الازدحام، لكنها ليست حلولًا مناسبة لكل موقع، ولا ينبغي أن تكون الخيار الأول دون دراسة.
فبعض الاختناقات تنشأ عن سوء تنظيم الإشارات أو الوقوف العشوائي أو تداخل المسارات، ويمكن معالجتها بإجراءات أقل كلفة من إنشاء منشآت جديدة.
أما المواقع التي يتجاوز فيها حجم الحركة قدرة التقاطع على الاستيعاب، فيمكن إخضاعها لدراسات هندسية تقارن بين خيارات إعادة التصميم، وإنشاء الجسور، وتحسين الإشارات، وتغيير اتجاهات السير.
ويجب أن تشمل الدراسات حركة المشاة والنقل العام والشاحنات، لا حركة السيارات الخاصة وحدها، حتى لا يؤدي حل مشكلة في اتجاه إلى نقل الاختناق إلى شارع مجاور.
كما ينبغي الاهتمام بصيانة الطرق، وتوضيح العلامات الأرضية والعمودية، وإنشاء ممرات آمنة للمشاة، لأن الطريق المنظم ليس مجرد مساحة لعبور السيارات، بل فضاء يستخدمه مختلف المواطنين. - توزيع الخدمات لتقليل الحاجة إلى التنقل
من الأسباب البنيوية للازدحام تركز المؤسسات والإدارات والأسواق والأنشطة الاقتصادية في مناطق محددة، ما يدفع أعدادًا كبيرة من المواطنين إلى التنقل يوميًا نحو الوجهات نفسها.
ويمكن الحد من هذا الضغط عبر تشجيع توزيع الخدمات على مختلف مقاطعات العاصمة، وتقريب الخدمات الإدارية والصحية والتعليمية من السكان، وتعزيز الخدمات الرقمية التي تتيح إنجاز بعض المعاملات دون الحضور الشخصي.
كما يمكن تنظيم مواعيد العمل في بعض المؤسسات الكبرى بصورة مدروسة، بحيث لا تتزامن جميع رحلات الموظفين والطلاب والمراجعين في الفترة الزمنية نفسها.
ولا يعني ذلك فرض تغييرات عامة دون دراسة، بل اختبار ترتيبات مناسبة في المؤسسات التي تسهم كثافة تنقلاتها في الضغط على المحاور الرئيسية. - حماية المشاة وتشجيع التنقل غير الآلي
لا ينبغي أن تنحصر سياسة المرور في تسهيل حركة السيارات، فالمشاة جزء أساسي من منظومة التنقل الحضري.
ومن الضروري إنشاء أرصفة متصلة وصالحة للاستعمال، وممرات آمنة لعبور الشوارع، وتحسين الإنارة والإشارات، ومنع الوقوف فوق الأرصفة أو إغلاقها بالأنشطة التجارية.
كما يمكن إنشاء مسارات للدراجات في المواقع المناسبة، وربطها بالمناطق السكنية والخدمات الأساسية، بما يشجع على استخدام وسائل تنقل أقل كلفة وأقل استهلاكًا للطاقة.
ويساعد هذا التوجه على تقليل الرحلات القصيرة بالسيارات، لكنه يتطلب أولًا توفير شروط السلامة والبنية التحتية الملائمة.
ثالثًا: هل ينبغي للحكومة الحد من استيراد السيارات؟
قد يطرح البعض تقييد استيراد السيارات باعتباره حلًا مباشرًا لتقليل الازدحام. غير أن هذا الخيار يحتاج إلى دراسة اقتصادية واجتماعية دقيقة قبل اعتماده.
فزيادة عدد السيارات ليست العامل الوحيد وراء الأزمة، كما أن فرض قيود واسعة على الاستيراد قد يرفع الأسعار ويؤثر في الأسر والتجار والعاملين في قطاع السيارات، دون أن يضمن وحده تحسن حركة المرور.
والأجدى هو البدء بسياسات أكثر ارتباطًا بالاستخدام الفعلي للطرق، مثل تنظيم الوقوف، وتطوير النقل العام، وتشجيع المشاركة في الرحلات، وتحسين الفحص الفني للمركبات، وتطبيق قواعد السير.
ويمكن دراسة أدوات اقتصادية، مثل تسعير الوقوف في المناطق الأكثر ازدحامًا، أو فرض رسوم على بعض الاستخدامات وفق معايير قانونية واضحة، شريطة تقييم آثارها الاجتماعية وتوفير بدائل نقل حقيقية قبل تطبيقها.
كما ينبغي أن تستند أي سياسة تخص استيراد السيارات إلى بيانات موثوقة عن حجم الأسطول، وأعمار المركبات، ومعدلات استخدامها، وحاجات المواطنين والاقتصاد.
رابعًا: كيف يمكن تنفيذ خطة حكومية قابلة للقياس؟
حتى لا تتحول معالجة الاختناق المروري إلى مجرد تعهد جديد، تحتاج الحكومة إلى خطة تنفيذية واضحة، تتضمن المسؤوليات والآجال والتمويل ومؤشرات الأداء.
خلال المائة يوم الأولى:
إعداد خريطة للنقاط الأكثر ازدحامًا وتحديد أسباب الاختناق في كل منها.
إطلاق تدخلات عاجلة في التقاطعات والمحاور ذات الأولوية.
تنظيم محطات سيارات الأجرة والوقوف في المواقع الأكثر اكتظاظًا.
تكثيف الرقابة على المخالفات التي تعطل حركة المرور.
نشر تقرير أولي يوضح الإجراءات المتخذة والنتائج المسجلة.
خلال السنة الأولى:
تحسين انتظام النقل العمومي وتوسيع تغطيته وفق الطلب.
تهيئة محطات واضحة للحافلات وسيارات الأجرة.
تطبيق نظام منظم للوقوف في المناطق التجارية والإدارية.
تطوير إدارة الإشارات والتقاطعات اعتمادًا على بيانات الحركة.
وضع ترتيبات خاصة بحركة الشاحنات ونقل البضائع.
على المدى المتوسط:
استكمال مشاريع النقل الحضري المبرمجة وفق جداول زمنية معلنة.
تطوير ممرات الحافلات المخصصة حيثما تسمح الدراسات بذلك.
إنشاء مواقف ومرافق لوجستية في المواقع التي تثبت الحاجة إليها.
تحسين توزيع الخدمات داخل العاصمة وتقليل الرحلات غير الضرورية.
مراجعة نتائج السياسات المرورية دوريًا وتعديلها وفق المؤشرات.
ويجب أن تخضع هذه الخطة لتنسيق فعلي بين قطاعات التجهيز والنقل، والداخلية، والبلديات، والجهات المسؤولة عن تنظيم النقل الحضري، والأجهزة الأمنية، مع تحديد جهة مسؤولة عن متابعة التنفيذ ورفع تقارير دورية للرأي العام.
خامسًا: ما المؤشرات التي ينبغي اعتمادها لقياس النجاح؟
لا يكفي الإعلان عن بناء طريق أو زيادة عدد الحافلات للحكم على نجاح سياسة المرور؛ إذ ينبغي قياس أثر الإجراءات في حياة المواطنين.
ومن أهم المؤشرات المقترحة:
متوسط زمن الرحلات على المحاور الرئيسية خلال ساعات الذروة.
متوسط مدة الانتظار في التقاطعات الأكثر ازدحامًا.
انتظام الحافلات وعدد الركاب الذين تنقلهم يوميًا.
نسبة المخالفات المتعلقة بالوقوف والتوقف العشوائي.
عدد الحوادث المرتبطة بالاختناقات والمناورات الخطرة.
مدى توافر الأرصفة وممرات المشاة وسلامتها.
مستوى رضا المواطنين عن خدمات النقل العام.
ويمكن نشر هذه المؤشرات كل ثلاثة أشهر، بما يسمح للمواطنين بمعرفة ما تحقق فعليًا، ويتيح للحكومة تحديد الإجراءات الناجحة وتلك التي تحتاج إلى مراجعة.
الخلاصة: المطلوب إدارة حركة المرور، لا توسيع الطرق فقط
إن الاختناق المروري في موريتانيا، وخصوصًا في نواكشوط، لا يرتبط بكثرة السيارات وحدها، بل يتصل أيضًا بطريقة تنظيم النقل العام، وتوزيع الأنشطة والخدمات، وإدارة الوقوف، واحترام قواعد السير، ومدى ملاءمة البنية التحتية للنمو الحضري.
ولذلك، فإن الرهان أمام الحكومة الجديدة لا يتمثل في إطلاق حملات مؤقتة أو بناء مزيد من الطرق فحسب، بل في الانتقال إلى سياسة متكاملة تجعل النقل العمومي خيارًا عمليًا، وتعيد تنظيم المجال العام، وتطبق القانون بانتظام، وتستند إلى بيانات دقيقة في تحديد الأولويات.
وقد سبق للسلطات أن وضعت برامج لتطوير النقل الحضري، وتحسين التقاطعات، وإنشاء مسارات مخصصة للحافلات، وتنظيم حركة المرور. ومن ثم، فإن الخطوة الضرورية تتمثل في تقييم مدى تنفيذ هذه البرامج، وتحديد أوجه التعثر، واستكمال المشاريع ذات الأولوية، بدل الاكتفاء بإعادة الإعلان عنها.
وفي المحصلة، فإن نجاح الحكومة في هذا الملف لن يُقاس بعدد السيارات التي أُبعدت عن الشوارع، ولا بعدد الجسور التي أُنشئت، وإنما بقدرة المواطن على الوصول إلى عمله أو دراسته أو مرفقه الصحي في وقت معقول، وبأقل كلفة ومخاطر ممكنة.
فالشوارع ليست ملكًا للسيارات وحدها، والمدينة الحديثة ليست تلك التي تتسع فيها الطرق فحسب، بل تلك التي يستطيع سكانها التنقل فيها بأمان وسهولة وكرامة.
محمد عبد الله محمدن







