ثقافة

كتاب «أوراق متطايرة».. محمد نعيم فرحات يقرأ بنية الوعي والثقافة الفلسطينية في المنفى

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

يصف الأكاديمي والأمين العام للجمعية العربية لعلم الاجتماع محمد نعيم فرحات تجربة الشتات الفلسطيني بأنها واحدة من أقسى التجارب الإنسانية وأكثرها فرادة في العصر الحديث، بالنظر إلى خلفياتها التاريخية والسياسية، وما ترتب عليها من آثار عميقة طالت مختلف جوانب الحياة الفلسطينية.

بهذه الرؤية يستهل فرحات كتابه «أوراق متطايرة/ الفلسطينيون والمنفى: دراسة في بنية الوعي والثقافة»، الصادر حديثا عن دار العائدون للنشر، مقدما قراءة نقدية لتجربة المنفى الفلسطيني وتحولاتها، وما أنتجته من أزمات في الوعي والهوية والثقافة والسياسة.

ومنذ مقدمة الكتاب، يبرز انشغال المؤلف بمستقبل الجيل الثالث من الفلسطينيين في المنفى، وقدرته على التعامل مع الإرث الثقيل للقضية الوطنية. ويؤكد ضرورة إعادة النظر في جذور المأزق البنيوي الذي تواجهه هذه الأجيال، بما يساعدها على بناء وعي فاعل، وتشكيل رؤية واضحة، وتنظيم مدركاتها على نحو يتيح لها بلورة مشروعها واستثمار طاقاتها وإرادتها.

وانطلاقا من هذه الإشكالية، يتخذ فرحات من مفاهيم الوعي والثقافة والمنفى والسياسي محاور أساسية لدراسته، مستندا إلى منظور سوسيولوجي نقدي يسعى إلى فهم تشكل التجربة الفلسطينية وتبدلاتها عبر التاريخ.

المنفى.. قوة مدمرة ومختبر لإعادة بناء الهوية

يشكل المنفى المفهوم المحوري في دراسة فرحات، بوصفه حالة إنسانية وتاريخية تعيد صياغة علاقة الإنسان بذاته وبالمكان. فهو يرتبط بالاقتلاع وفقدان الاستقرار وانقطاع الصلة بالمجال الذي يمنح الوجود معناه، لكنه لا يقتصر على جوانبه المأساوية، إذ يمكن أن يتحول أيضا إلى مصدر للمقاومة والاختلاف وإعادة بناء الذات.

وتقوم مقاربة المؤلف على فهم جدلي للمنفى، يجمع بين آثاره المدمرة وما قد ينشأ عنه من إمكانات لإعادة تشكيل الوعي والثقافة الفلسطينية في مواجهة الاقتلاع.

وفي بحثه جذور المأساة، ينطلق فرحات من مركزية المكان في تشكيل وعي الجماعة، معتبرا أن فلسطين مثّلت للفلسطينيين شرطا وجوديا تشكلت داخله علاقات الانتماء والرواية الجماعية. كما يتوقف عند خصوصية المكان بما يحمله من أبعاد جغرافية ودينية ورمزية، وما أصبح يمثله عبر التاريخ من ساحة لصراعات تتجاوز حدوده، الأمر الذي رسخ لدى الفلسطينيين شعورا دائما بالخشية من فقدان الصلة به.

ويرى الباحث أن اقتلاع الفلسطينيين عام 1948 ارتبط بمخيال غربي وصهيوني أسهم في تشكيل المنفى وتبريره سرديا وتاريخيا، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى عوامل داخلية عمقت المأساة، من بينها ضعف البنى السياسية والتنظيمية، والانقطاعات في مسار المقاومة، وقصور الوعي بحجم التهديد، إلى جانب تأثير البيئة العربية.

ومن تفاعل هذه العوامل تشكلت تجربة المنفى الفلسطيني، التي يرى فرحات أن إحدى أبرز مشكلاتها تمثلت في محدودية القدرة على قراءة التجارب السابقة قراءة نقدية واستخلاص الدروس منها.

اقتلاع الجغرافيا وولادة «مجتمع العذاب»

أدت نكبة عام 1948 إلى فقدان الفلسطينيين مكانهم، وأحدثت تحولات عميقة في البنية النفسية والاجتماعية والسياسية للجماعة، التي انتقلت من مجتمع مترابط إلى شتات موزع في أماكن متعددة.

وبحسب قراءة فرحات، أحدث هذا الانقطاع تحولا جذريا في الوعي الفلسطيني، تمثل في انفصال تاريخي بين الفلسطينيين ووطنهم، وبينهم وبين زمنهم وتاريخهم ووعيهم الجماعي. ويستحضر المؤلف في هذا السياق توصيف إدوارد سعيد للتجربة الفلسطينية باعتبارها تحولا إلى «مجتمع تاريخي من العذاب».

ولأن المكان كان عنصرا أساسيا في تشكيل الهوية الفلسطينية، لم يكن فقدانه مجرد خسارة جغرافية، بل مثّل فقدانا للدار بمعناها الوجودي، وأحدث صدمة في الوعي الجماعي. ومع ذلك، أوجدت هذه الصدمة مجالا لتحول الخيال والثقافة إلى أداتين للحفاظ على الهوية ومقاومة محاولات محوها.

ويولي فرحات اهتماما خاصا بصورة الآخر والخصم، متتبعا تطور الحركة الصهيونية في سياق القوميات الأوروبية، وتحالفاتها مع القوى الغربية، وصولا إلى إقامة دولة استندت، وفق تحليله، إلى سرديات تاريخية وأسطورية متخيلة.

كما يتناول ما يراه استراتيجية قائمة على الإنكار والترحيل والإقصاء، مستحضرا المزاعم الدينية والتاريخية التي استُخدمت لتبرير المشروع الصهيوني. ويبرز هنا ما يصفه بمفارقة تاريخية قاسية، تمثلت في اقتلاع شعب آمن وتحويله إلى مجتمع منفى، في مقابل انتقال جماعة يهودية عاشت تاريخيا في الشتات إلى موقع ممارسة الإقصاء والاضطهاد بحق الفلسطينيين.

ويستعين المؤلف برؤية إدوارد سعيد التي تصف هذا التحول بأنه «قلب للتاريخ يدعو للفزع»، للتعبير عن التناقض بين تجربة الاقتلاع الفلسطينية والمسار الذي أفضى إلى تكريسها.

كيف ولدت العزلة طاقة الرفض؟

يتتبع الكتاب تطور التجربة الفلسطينية خلال الفترة الممتدة من خمسينيات القرن الماضي إلى منتصف الستينيات، موضحا كيف أعادت الجماعة بناء ذاتها في ظل عاملين متلازمين هما الاحتلال والمنفى.

فقد أدى الاحتلال إلى فصل الفلسطينيين عن أرضهم، بينما عمق المنفى هذا الانفصال عبر إغلاق أفق العودة. ومن تداخل العاملين نشأت حالة حصار لا تقتصر على القيود العسكرية، بل تمتد إلى السياسة والثقافة والمجتمع وإمكانات الاندماج.

ويجعل فرحات من مفهوم «الحصار» مدخلا لفهم تشكل الوعي الفلسطيني وطرائق استجابته؛ إذ أدى تضييق أفق الحياة إلى دفع الجماعة نحو البحث عن وسائل جديدة للبقاء والحفاظ على حضورها، على المستويات السكانية والتعليمية والاجتماعية.

وتبرز المفارقة في أن الحصار الذي استهدف إضعاف الفلسطينيين ودفعهم إلى التلاشي، أسهم أيضا في توليد طاقة الرفض والمقاومة. فالمنفى، الذي شكّل في البداية مخرجا اضطراريا من حصار المكان، أصبح بدوره فضاء لقيود جديدة، اختبر الفلسطينيون داخله إمكانات متعددة للحفاظ على وجودهم، قبل أن تتبلور المقاومة في صورة سياسية منظمة.

اتساع الفجوة بين الثقافة والسياسة

يكشف مسار التجربة الفلسطينية في المنفى عن توتر متزايد بين ثقافة أسهمت في إعادة إنتاج الوعي الجماعي، وبنية سياسية لم تتمكن دائما من استيعاب هذه الطاقة أو تمثيلها بصورة فعالة.

ويتمثل أحد التحولات المهمة، وفق قراءة فرحات، في انتقال الجيل الثاني من حالة الحنين إلى الوطن التي طبعت تجربة الآباء، إلى مستوى من الفاعلية يسعى إلى تجسيد أهداف المخيال الفلسطيني، وفي مقدمتها التحرير والعودة. وقد كانت الثقافة إحدى أبرز الوسائل التي عبّر من خلالها هذا الجيل عن طموحاته.

وتمكن أدب المنفى من تحويل فلسطين من مكان مفقود إلى فكرة حاضرة وقابلة للتجسيد، لتصبح الثقافة أحد المرتكزات التي مهدت لظهور المقاومة المسلحة، التي اتخذت من المنفى مركزا لنشاطها خلال منتصف الستينيات.

لكن هذا المسار شهد تحولات لاحقة، إذ تراجع حضور الثقافة مع تصاعد دور السلاح، قبل أن تتقدم مفاهيم السلطة والدولة على حساب الهوية والتحرر، ما أسهم في نشوء أزمة في تمثيل الفلسطينيين وتطلعاتهم.

وتبرز الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 بوصفها محطة كاشفة لهذا التوتر؛ فقد أظهرت قدرة المجتمع الفلسطيني داخل الأرض المحتلة على استعادة زمام المبادرة والفعل، في حين واجهت القيادة الموجودة في المنفى صعوبات في تحويل هذه الطاقة الشعبية إلى مكاسب سياسية متراكمة.

ويرى فرحات أن احتكار المقاومة للتمثيل السياسي كشف عن فجوة عميقة بين اتساع الطموحات الوطنية والقدرة على تحقيقها على أرض الواقع. ومع تزايد المسافة بين المنجز الثقافي والممارسة السياسية، بدأت شرعية التمثيل التاريخية تتراجع، وانعكس ذلك على تماسك التجربة الفلسطينية ودفعها إلى مسارات أكثر اضطرابا.

ورغم إقراره بتراجع الدور السياسي لجماعات المنفى بعد اتفاق أوسلو عام 1993، لا يستبعد المؤلف أن تواصل هذه الجماعات أداء دور محوري في إعادة بناء الرؤية والثقافة الفلسطينيتين، بما يعزز القدرة على استعادة الهوية الوطنية وتطوير الوعي الجماعي في مواجهة تحديات المرحلة المقبلة.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى