حين تتعثر العدالة عند أبواب النفوذ

ليس أخطر ما في «ملف المدونين» أن يطول التحقيق فيه، وإنما أن يتحول طول أمده إلى سؤال أكبر: هل ما تزال العدالة قادرة على الوصول إلى الجميع، أم أنها تتعثر كلما اقتربت من أبواب النفوذ؟
في دولة القانون، لا ينبغي أن يختلف تطبيق العدالة باختلاف موقع الأشخاص ومراكزهم. فالمساواة أمام القانون ليست شعارًا دستوريًا فحسب، بل هي جوهر العدالة وشرط ثقة الناس في الدولة.
وقد عبّر النبي ﷺ عن هذا المبدأ بأبلغ صورة حين قال: «إنما أهلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد». فالمشكلة التي حذّر منها الحديث ليست مجرد ترك عقوبة مستحقة، وإنما انهيار مبدأ المساواة حين يصبح شرف الشخص أو نفوذه سببًا لاستثناءه من القانون. وحين يُطبَّق القانون على الضعيف ولا يبلغ القوي، تفقد العدالة معناها، وتتحول الدولة من دولة قانون إلى دولة امتيازات.
أما «ملف المدونين»، فإن خطورته تتجاوز الأشخاص المعنيين به إذا كان، كما يُقال، قد أصبح متداخلًا مع صراعات أجنحة داخل السلطة. فحين تتصارع مراكز النفوذ، لا يخسر طرف وحده؛ قد تخسر الدولة نفسها، خصوصًا إذا أصبحت الضغوط المحيطة برأس السلطة تعطل القرار أو تجعل الحسم رهينًا بتوازنات المحيطين به.
لذلك فالسؤال الذي ينبغي أن يشغل النخبة ليس: أي جناح سينتصر؟ بل: كيف ننقذ الدولة من أن تصبح رهينة لصراعات الأجنحة؟
القضية في النهاية ليست حماية هذا الشخص أو ذاك، ولا إدانة أحد قبل الدليل؛ وإنما حماية مبدأ بسيط: أن يكون القانون أقوى من النفوذ، وأن تكون المساواة أمامه فعلًا لا مجرد نص.
فالدولة لا تبدأ بالترنح عندما تقع الأزمة فقط، وإنما عندما يفقد الناس ثقتهم بأن القانون قادر على الوصول إلى الأقوياء كما يصل إلى الضعفاء.
وحين تتعثر العدالة عند أبواب النفوذ، فإن الخطر لم يعد في ملف المدونين وحده، بل في هيبة الدولة واستقلال قرارها ومستقبلها.
حمادي سيدي محمد آباتي








