العداء الشعبي المصري لإسرائيل وأمريكا.. جذور تاريخية تتجدد مع حرب إيران

لا تتشكل المواقف الشعبية في أوقات الحروب والأزمات بشكل عفوي أو كرد فعل آني، بل تنبع من تراكمات تاريخية وثقافية وسياسية طويلة الأمد. ويظهر ذلك بوضوح في مصر، حيث لا يُعد التعاطف الشعبي مع إيران في مواجهتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل موقفا طارئا، بل امتدادا لذاكرة جماعية تشكلت عبر عقود من الصراع العربي الإسرائيلي والتحولات الإقليمية.
ويرى مراقبون أن فهم المزاج الشعبي المصري يتطلب النظر إلى ما هو أبعد من الأحداث الراهنة، إذ ما زالت قطاعات واسعة من المصريين تنظر إلى إسرائيل باعتبارها خصما تاريخيا، كما يرتبط هذا التصور بحساسية خاصة تجاه قضايا السيادة الوطنية ورفض التدخلات الخارجية والحروب التي تشهدها المنطقة.
من الصراع الوجودي إلى السلام البارد
منذ قيام إسرائيل عام 1948 وحتى حرب أكتوبر 1973، كانت مصر في مقدمة الدول العربية المواجهة لإسرائيل، حيث اعتُبرت الأخيرة تهديدا وجوديا استوجب تعبئة القدرات العسكرية والسياسية للدولة، خاصة خلال عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي تبنى خطابا قوميا قائما على المقاومة والتحرر.
وشكلت هزيمة يونيو 1967 نقطة تحول مهمة في التفكير الإستراتيجي المصري، إذ أعادت الدولة تقييم أدوات الصراع مع إسرائيل، مع الحفاظ على خطاب المواجهة والسعي لإعادة بناء القدرات الوطنية، بالتزامن مع توسيع شبكة التحالفات الإقليمية والدولية خلال سنوات حرب الاستنزاف.
كما دعمت مصر الناصرية حركات التحرر في عدد من الدول العربية والأفريقية، وساندت أطرافا معارضة لنظام الشاه في إيران، في إطار رؤية أوسع لمناهضة النفوذ الغربي والتوسع الإسرائيلي في المنطقة.
ضغط شعبي متواصل
شهدت الفترة الفاصلة بين هزيمة 1967 وانتصار 1973 حالة من الاحتقان الشعبي، تجلت في احتجاجات طلابية ومظاهرات طالبت بالثأر من الهزيمة واستعادة الكرامة الوطنية، وهو ما جعل الرأي العام عاملا مؤثرا في رسم حدود القرار السياسي.
واستمر هذا الزخم خلال السنوات الأولى من حكم الرئيس أنور السادات، حيث اندلعت احتجاجات طلابية واسعة عام 1972 اعتراضا على تأخر المواجهة العسكرية مع إسرائيل، قبل أن تحقق حرب أكتوبر 1973 نصرا عسكريا أعاد جزءا من الثقة الوطنية.
لكن توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل عام 1979 أحدث انقساما داخل المجتمع المصري، إذ انتقلت الدولة إلى مرحلة تركز على حماية حدودها المباشرة وتحقيق الاستقرار، بينما احتفظت شرائح واسعة من المجتمع بموقفها الرافض للتطبيع الكامل مع إسرائيل، فيما بات يعرف لاحقا بمفهوم “السلام البارد”.
العلاقات مع إيران
بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 دخلت العلاقات بين القاهرة وطهران مرحلة من التوتر، خاصة بعد استقبال الرئيس السادات شاه إيران المخلوع، ثم قيام السلطات الإيرانية بتسمية أحد شوارع طهران باسم خالد الإسلامبولي، أحد المشاركين في اغتيال السادات عام 1981.
وظلت هذه الملفات عالقة لعقود، قبل أن تُقدم بلدية طهران عام 2025 على تغيير اسم الشارع، في خطوة اعتُبرت بادرة إيجابية تجاه تحسين العلاقات مع مصر.
ويرى محللون أن استمرار التعاطف الشعبي المصري مع أي طرف يواجه إسرائيل أو الولايات المتحدة يرتبط بإرث تاريخي وثقافي متجذر، أكثر من ارتباطه بحسابات سياسية آنية، وهو ما يفسر تجدد هذه المواقف مع كل أزمة إقليمية جديدة.









