فضاء الرأي

حين تُختزل الأزمة في شماعة واحدة: قراءة نقدية في خطاب تبرئة الذات وإدانة الآخرين

يثير الخطاب الذي يُحمِّل الحركات القومية العربية في موريتانيا كامل المسؤولية عمّا لحق بحركة “أفلام” من عقوبات، إشكالًا منهجيًا عميقًا؛ لأنه يقوم على انتقاءٍ للتاريخ، وإغفالٍ لسياقٍ أطول وأكثر تعقيدًا من مجرد صراع أيديولوجي بين “قوميين عرب” و”حركات إفريقية”.

إن العودة إلى الجذور الأولى للأزمة تُظهر بوضوح أن التوترات الهوياتية في موريتانيا لم تبدأ مع ظهور الناصرية أو البعثية، بل تعود إلى مرحلة ما قبل الاستقلال. ففي سنة 1958، وخلال مؤتمر ألاك، برزت تيارات داخل النخبة الزنجية – خاصة من القومية البولارية – عبّرت بوضوح عن تصورات حادة لمستقبل الكيان الموريتاني، تراوحت بين الهيمنة أو التقسيم أو المواجهة. وهذه المواقف لم تكن معزولة عن سياق إقليمي ودولي، حيث لعبت فرنسا، ومعها أطراف إقليمية مثل سنغور في السنغال، أدوارًا معروفة في توجيه مسار الكيان الناشئ، بما يخدم توازنات ما بعد الاستعمار ويحدّ من نفوذ أطراف أخرى كالمغرب.

من هنا، فإن تصوير حركة “أفلام” على أنها مجرد “ردة فعل بريئة” يتجاهل أنها نشأت وتطورت داخل بيئة فكرية وسياسية كانت تحمل، في بعض مراحلها، تصورات صدامية تجاه وحدة الدولة، وهو ما تعزّز لاحقًا في محطات مفصلية، أبرزها أحداث 1987، حيث كشفت التحقيقات حينها عن مشروع انقلابي لم يخفِ طابعه الإقصائي تجاه مكونات واسعة من المجتمع.

أما تحميل القوميين العرب مسؤولية ما وقع، فهو طرح يفتقر إلى السند الواقعي. فهل كان هؤلاء يشكّلون سلطة تنفيذية؟ هل تبوؤوا مواقع القرار العسكري أو الأمني أو السياسي التي تخوّلهم رسم السياسات القمعية؟ الواقع يشهد بأن التيارات الناصرية والبعثية في موريتانيا عانت بدورها من السجن والتضييق والإقصاء، بل وسقط من رموزها من دفعوا حياتهم أو حريتهم ثمنًا لمواقفهم. وبالتالي، فإن تصويرهم كـ”مهندسي ظلم” لا يستقيم مع موقعهم الفعلي خارج دوائر القرار.

ثم إن مسألة اللغة، التي تُطرح أحيانًا كدليل على “هيمنة قسرية”، تكشف مفارقة لافتة. فاللغة العربية، رغم كل الجدل السياسي حولها، ظلت حاضرة بقوة في أوساط البولار أنفسهم، سواء في التعليم التقليدي (المحاظر/المدارس القرآنية)، أو في القضاء الشرعي، أو في الشعر الديني. وانتشار “المودات” (الكتاتيب) في الضفة ونواكشوط وألاك دليل على أن العربية لم تكن دومًا أداة إكراه، بل أيضًا خيارًا ثقافيًا ودينيًا تبنّته قطاعات واسعة طوعًا.

وفي إصلاح 1979 التعليمي، اختار عدد معتبر من التلاميذ من هذه المكونات التوجه نحو التعليم بالعربية، وهو ما يعكس تعقيد المشهد اللغوي، بعيدًا عن التبسيط الذي يختزله في صراع قسري بين “تعريب” و”مقاومة”.

إن الدعوة إلى المصالحة الوطنية لا يمكن أن تقوم على انتقائية في سرد الوقائع، ولا على تبرئة طرف وإدانة آخر بشكل مطلق. فكل المكونات الموريتانية عرفت لحظات ألم، وكلها بحاجة إلى إنصاف عادل لا يُسقط ذاكرة طرف لصالح آخر. كما أن رفض شعارات أو رموز تُفهم على أنها تمس وحدة الدولة لا ينبغي أن يُختزل في “شيطنة”، بل يمكن فهمه في سياق حساسية مجتمع عاش تجارب انقسام حقيقية.

إن الطريق إلى المستقبل لا يمر عبر إعادة إنتاج سرديات الاتهام المتبادل، بل عبر قراءة شجاعة للتاريخ بكل تناقضاته، والاعتراف بأن الدولة الموريتانية – بكل مكوناتها – كانت ضحية توازنات داخلية وخارجية معقدة. وعندها فقط يمكن أن تتحول الدعوة إلى “رأب الصدع” من شعار سياسي إلى مشروع وطني جامع.

حمادي سيدي محمد آباتي

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى