فضاء الرأي

معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

ليست الدعوات التي تُوجَّه لحضور تظاهرات الوفاء مجردَ التزامٍ بروتوكولي، ولا هي لحظة عاطفية عابرة تُستحضر فيها الذكريات ثم تُطوى. حين يدعو مرصد سيداتي للحقوق والحريات إلى تخليد ذكرى شهداء الناصريين في انتفاضة 1984 تحت شعار “معًا على درب الشهداء”، فإن الأمر يتجاوز حدود التأبين إلى استدعاء سؤالٍ أكبر: ماذا بقي من المشروع الذي استُشهد من أجله هؤلاء؟

لقد أثبتت العقود الماضية أن الشروط التاريخية التي أنجبت الفكر القومي العربي لم تتلاشَ، بل تعمّقت وتشعّبت. فالتجزئة التي كُرّست منذ اتفاقيات القرن الماضي لم تُمسّ في جوهرها، بل يُعاد اليوم إنتاجها بصيغ أكثر تعقيدًا، تُلبس ثوب “إعادة التشكيل” بينما تحمل في حقيقتها إعادة توزيعٍ للنفوذ بما يخدم القوى الغربية ويعزز تفوق الكيان الإسرائيلي كحارسٍ متقدم لمصالحها في المنطقة.

في هذا السياق، يصبح استدعاء ذكرى الشهداء فعلًا سياسيًا بامتياز، لأنه يعيد طرح السؤال الذي حاول الكثيرون تجاوزه: من هو الخصم الحقيقي؟
لقد كشفت التجربة، بوضوح لا لبس فيه، أن القوميين العرب – على اختلاف مدارسهم الناصرية والبعثية وغيرها – ظلوا في نظر القوى المهيمنة الخطرَ الأكثر تماسكًا، لأنهم يحملون مشروعًا جامعًا يتجاوز الطوائف والحدود المصطنعة. فالقومية العربية، في جوهرها، إطارٌ جامع لكل العرب، بمختلف أديانهم ومذاهبهم، بينما تقوم المشاريع الأخرى – مهما حسنت نواياها – على محدداتٍ تفرّق أكثر مما توحّد.

وهنا تكمن المفارقة الصارخة: في زمنٍ يُفترض أنه زمن “صراع حضاري” بين شمال المتوسط وجنوبه، نجد أن التفتيت الداخلي للعالم العربي يتم عبر بوابات الانقسام المذهبي والطائفي، حتى داخل الدائرة الواحدة. وهو ما جعل الأمة تبدو وكأنها كيانات متناحرة، لا كجسدٍ واحد كما أراد لها رواد الفكر القومي.

لكن التاريخ لا يُقرأ فقط في خرائط القوى، بل أيضًا في مصائر الرجال.
إن التأمل في نهايات الزعماء القوميين – على اختلاف اجتهاداتهم وخلافاتهم – يكشف حقيقةً مرة: لقد تقاطع مصيرهم عند نقطة واحدة، وهي الاستهداف من نفس الخصم. سقطوا تباعًا، لأنهم مثلوا، كلٌّ بطريقته، مشروعًا للتحرر والوحدة. ولم يكن الثمن الذي دفعوه إلا دليلًا على حجم الخطر الذي شكّلوه في ميزان القوى الدولي.

من هنا، فإن الوفاء للشهداء لا يكون بالبكاء على الأطلال، بل بإعادة الاعتبار للمشروع الذي استشهدوا من أجله.
وهذا يفرض على القوميين العرب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن يُراجعوا خلافاتهم، وأن يُدركوا أن ما يجمعهم أكبر بكثير مما يفرقهم. لقد أثبتت الأيام أن الاستهداف لا يميز بين ناصري وبعثي، ولا بين هذا التنظيم أو ذاك؛ فالجميع في نظر الخصم ينتمون إلى فكرة واحدة: فكرة الأمة.

وفي موريتانيا، كما في غيرها من الأقطار العربية، لم يعد الخصوم يفرّقون بين التيارات القومية، بل يتعاملون معها ككتلة واحدة. وهذه الحقيقة، بدل أن تكون مصدر قلق، ينبغي أن تتحول إلى وعيٍ جديد: إذا كان الآخر يراك كتلةً واحدة، فلماذا تصرّ على رؤية نفسك شتاتًا؟

إن اللحظة الراهنة ليست لحظة ترفٍ فكري، بل لحظة مصير.
والوحدة القومية لم تعد شعارًا رومانسيًا، بل ضرورة استراتيجية في مواجهة مشاريع إعادة التشكل التي تُرسم للمنطقة.

لذلك، فإن هذه الدعوة – التي انطلقت من مناسبة وفاء – يجب أن تتحول إلى نداءٍ صريح:
أيها القوميون العرب، آن أوان الالتقاء.
آن أوان تجاوز الجراح القديمة، وفتح صفحة جديدة عنوانها العمل المشترك.
فالشهداء الذين نخلّد ذكراهم اليوم لم يسقطوا من أجل تنظيمٍ بعينه، بل من أجل فكرةٍ أكبر… فكرة أمةٍ تستحق أن تُبعث من جديد.

وحدها هذه الروح هي التي تجعل من “درب الشهداء” طريقًا للمستقبل، لا مجرد ذكرى من الماضي.

حمادي سيدي محمد آباتي

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى