ثقافة

بين الذاكرة والمصلحة: كيف تكتب موريتانيا سياستها الخارجية دون أن تنسى تاريخها؟

ليس من الدقة أن نضع البراغماتية السياسية والذاكرة ا لتاريخية في موقع التعارض الحتمي، كما لو أن على موريتانيا أن تختار بين عقل بارد بلا ذاكرة، أو ذاكرة مثقلة تعيق الحركة. الدول الناضجة لا تنسى، لكنها أيضًا لا تُؤسِر نفسها داخل الماضي. والسؤال الحقيقي ليس: هل نتذكر أم نتصرف؟ بل: كيف نجعل التذكر جزءًا من حسن التصرف؟

حين زار محمد ولد الشيخ الغزواني باريس، لم يكن يحمل فقط ملفات التعاون الأمني والاقتصادي، بل كان – شاء أم أبى – يتحرك داخل حقل تاريخي مشحون، صاغته علاقة طويلة مع فرنسا، علاقة لا تزال آثارها حاضرة في اللغة، والإدارة، وحتى في تمثلات النخبة للدولة.

لكن استحضار هذا الإرث لا يعني تحويله إلى قيد دائم. فالتاريخ، إن لم يُفهم بوصفه خبرة قابلة للتحليل، يتحول إلى عبء نفسي وسياسي. وهنا يكمن التوازن الدقيق: أن نقرأ الماضي بوعي، دون أن نجعله يُملي علينا خيارات الحاضر.

لقد أثبتت التحولات الجارية في منطقة الساحل أن منطق الولاءات الثابتة لم يعد صالحًا. الانسحابات العسكرية، وصعود فاعلين جدد، وتآكل الثقة في الشراكات التقليدية، كلها مؤشرات على أن العالم من حول موريتانيا يعاد تشكيله بسرعة. وفي مثل هذا السياق، تصبح البراغماتية ضرورة، لا خيارًا.

غير أن البراغماتية، إذا فُهمت بشكل سطحي، قد تتحول إلى انتهازية قصيرة النظر. فليس كل تقارب مفيد، وليس كل شريك جدير بالثقة. هنا تعود الذاكرة لتلعب دور “آلية تصحيح”: تذكّرنا بكيفية تشكل علاقات غير متكافئة، وبالأثمان التي دُفعت سابقًا عندما غابت شروط الندية.

إن التوازن الذي تحتاجه موريتانيا يمكن تلخيصه في ثلاث قواعد غير معلنة:

أولًا: الذاكرة كمرجعية، لا كعائق
استحضار التجربة الاستعمارية لا يجب أن يكون من باب الشك المرضي، بل من باب الفهم العميق لبنية العلاقات الدولية. الذاكرة هنا تُستخدم لتفكيك الخطابات، لا لرفضها بشكل تلقائي.

ثانيًا: البراغماتية المشروطة
التعاون مع فرنسا، أو غيرها، لا يُرفض مبدئيًا، لكنه يُقبل بشروط واضحة: نقل معرفة حقيقي، استثمار منتج، واحترام للسيادة. أي شراكة لا تُترجم إلى قيمة مضافة داخلية هي مجرد إعادة إنتاج للتبعية.

ثالثًا: تنويع بلا ارتهان
في عالم تتنافس فيه قوى متعددة، من الخطأ استبدال محور بآخر. الانفتاح على شركاء جدد يجب أن يتم ضمن رؤية وطنية مستقلة، لا كرد فعل على خيبة مع شريك تقليدي.

ولعل الخطر الأكبر لا يكمن في فرنسا وحدها، بل في الطريقة التي تُدار بها العلاقة معها. فالدول لا تُستَعمَر مرتين بنفس الطريقة، لكنها قد تعيد إنتاج شروط ضعفها بنفسها، إن لم تُحسن قراءة موقعها في توازنات القوة.

في النهاية، لا تحتاج موريتانيا إلى قطيعة مع الماضي، ولا إلى ارتماء في أحضان الحاضر. ما تحتاجه هو قدرة على تحويل الذاكرة إلى أداة سيادية، والبراغماتية إلى خيار واعٍ، لا إلى استجابة ظرفية.

باختصار:
الذاكرة تحمي من السذاجة… والبراغماتية تحمي من الجمود.
وبينهما فقط، تُبنى سياسة خارجية تستحق أن تُسمى وطنية.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى