ثقافة

موريتانيا بين الشرعية الرمزية والصدمة المحكومة: خريطة القوى الخفية

في موريتانيا اليوم، السلطة ليست مجرد هرم إداري أو مؤسسات رسمية، بل هي شبكة معقدة من النفوذ والشرعيات التقليدية والرمزية التي تتشابك لتشكل واقعاً سياسياً صلباً ومغلقاً على أي تغيير تدريجي. الجيش يحتكر القوة المادية ويشكل قلب البنية السياسية، فهو الضامن الفعلي للاستقرار، لكنه في الوقت نفسه حاجز أمام أي تحول حقيقي. القضاء هش، ومصادره ضعيفة، إذ لا استقلال له عن الضغوط العسكرية والإدارية، مما يجعله أداة لإضفاء غطاء شكلي على الولاءات والامتيازات. الإدارة المالية والإدارية موزعة وفق الولاءات والشبكات أكثر من الكفاءة، فتصبح أي خطوة إصلاحية جزئية هشّة أمام شبكة المصالح المتشابكة.

في هذا الواقع، الرأسمال الرمزي التقليدي، المتمثل بالانتماءات القبلية والشرعية الدينية، لا يختفي، بل يعيد إنتاج نفسه داخل منظومة السلطة. هذا الرأسمال لا يعزز الدولة فحسب، بل يضع قيوداً على ممارستها، فيخلق توازنات هشة تجعل أي محاولة إصلاحية تواجه مقاومة مزدوجة: من المؤسسة الرسمية نفسها، ومن القوى التقليدية التي تتغذى على الوضع القائم. الشرائحية والولاءات المشوهة تزيد الانقسامات على الموارد والامتيازات، وتغذي النفاق وتعيق بناء رأسمال رمزي جديد قائم على الأداء والإنجاز.

وسط هذه البنية، هناك نقاط ضغط حرجة يمكنها أن تتيح الصدمة المحكومة، إذا تم التعامل معها بذكاء استراتيجي. أولها الجيش: تحييده عن السياسة وإعادة تركيزه على مهامه الدفاعية يشكل الشرط الأساسي لأي إصلاح حقيقي. النقطة الثانية هي القضاء؛ استقلاله الكامل ومحاسبته للفساد يشكلان القلب الرمزي للشرعية الجديدة، ويمنحان الدولة القدرة على فرض قواعد عادلة لإدارة السلطة. النقطة الثالثة تتمثل في الإدارة والتعليم؛ إنتاج نخبة جديدة قادرة على تحمل المسؤولية وفق معايير الكفاءة والجدارة يؤسس لقاعدة بشرية مستدامة يمكن أن تدعم إعادة إنتاج شرعية جديدة، ليس عبر الولاءات، بل عبر الإنجاز. وأخيراً، الرأسمال الرمزي المدني الحديث، الذي يجب أن يُبنى على الأداء والشفافية، يمثل عاملاً حاسماً في كسر الهيمنة القديمة، لكنه هش جداً إذا لم يكن مدعوماً بإصلاحات المؤسسات الأساسية.

إذا تم تنسيق هذه النقاط بشكل متسلسل ومدروس، يمكن للصدمة أن تحدث دون انهيار البنية الاجتماعية، فتعيد توزيع القوى بين المكونات التقليدية والدولة الحديثة، وتضع مؤسسات الدولة في موقع السيطرة، وتخلق أرضية لبناء رأسمال رمزي جديد قادر على إعادة تعريف السلطة والشرعية في موريتانيا.

حمادي سيدي محمد آباتي

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى