البو ولد أمين… شاعر المساجلات وذاكرة المحظرة

في سجلّ الأدب الحساني، يبرز اسم البو ولد أمين بوصفه أحد أعمدة القول الشعبي في منطقة الكبلة خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. لم يكن شاعر مناسبات عابرًا، بل كان صاحب مدرسة في المساجلة، وركنًا في بناء الذائقة الأدبية التي تماهت مع المحظرة والقبيلة والمجلس السياسي.
نسبه ونشأته العلمية
هو محمد ولد محمد محمود ولد حيبلا ولد أمين، الملقب بـ“البو الإجيجبي”. وُلد قرابة سنة 1860م في بيئة علمية ضاربة الجذور، حيث انتظمت حياته الأولى في محيط محظرتي الكحلاء والصفراء، وهما من القلاع العلمية التي أسهمت في تشكيل البنية المعرفية لمنطقة الكبلة قرونًا متوالية.
تشرّب علوم القرآن واللغة والنحو والفقه، فجمع بين صرامة التكوين المحظري ومرونة التعبير الشعبي. وهذا الجمع هو ما منح شعره عمقًا دلاليًا، إذ لم يكن الحساني عنده مجرّد لهجة تداولية، بل وعاءً ثقافيًا قادرًا على حمل المعاني الدقيقة والتراكيب المحكمة.
شاعر المجلس والسياسة
عُرف البو بمجالسته للأمراء والساسة والعلماء، وكان حاضرًا في الفضاء العمومي بوصفه صوتًا أدبيًا له مكانته. من أشهر مساجلاته ما دار بينه وبين الأمير أحمد سالم ولد اعل، حيث تجلّى الشعر الحساني في أعلى درجات التنافس البلاغي، من حيث سرعة الجواب، وتكافؤ الحجة، وإحكام البناء الإيقاعي.
هذا اللون من المساجلات لم يكن ترفًا لغويًا، بل كان شكلًا من أشكال “الخطاب السياسي غير المباشر”، إذ تتقاطع فيه المدائح والإشارات الرمزية والتلميحات القيمية، ضمن منظومة تحترم المقام وتراعي الأعراف.
قيمة الوفاء في شعره
من أبلغ ما يُروى عن البو، قصته مع ولد أبيبُ ولد أيد وحرمه اللولة منت همد فال، حين استضافاه في ظرف عسير، فعاد إليهما لاحقًا بردّ الجميل مضاعفًا. هذه الحادثة لم تتحول عنده إلى شكر عابر، بل صاغها في نص شعري يخلّد الكرم ويؤسس لفلسفة اجتماعية قوامها الاعتراف بالفضل وردّ المعروف.
يتجلى هنا البعد الأخلاقي في شعره؛ إذ يتجاوز الغرض التقليدي إلى تثبيت قيمة اجتماعية في الوعي الجمعي.
الغزل والمدح… تنوّع في الأغراض
لم يُحصر البو في غرض واحد؛ فقد قال في الغزل برهافة، وفي المدح بجزالة، وفي المناسبات الاجتماعية بذكاء تعبيري لافت. امتاز أسلوبه بالاقتصاد اللفظي وكثافة الصورة، مع قدرة على تطويع اللهجة الحسانية لإنتاج إيقاع داخلي متماسك.
وفي مدائحه، لا يكتفي بالتوصيف، بل يبني صورة جماعية تعلي من شأن التضحية والتكافل، مما يعكس وعيًا بدور الشعر في تشكيل الرأي الاجتماعي.
المساجلة الكبرى مع سيدي محمد ولد المختار ولد الهيبه
تمثل مساجلاته مع سيدي محمد ولد المختار ولد الهيبه ذروة أدبه. اتسمت تلك المواجهات الشعرية بقدر عالٍ من الذكاء والجرأة الفنية، حتى عُدت نموذجًا فذًا في تاريخ الأدب الحساني. كان كل منهما قادرًا على التقاط أدق الإشارات الشخصية وتحويلها إلى مادة شعرية ساخرة، دون أن تنزلق إلى الابتذال.
ويروى أنهما اتفقا على ألا يخوض من بقي منهما حيًا فيما دار بينهما، وهو اتفاق يكشف عن أخلاقيات عالية في إدارة التنافس الأدبي. توفي سيدي محمد في بدايات القرن العشرين، وبقي البو وفيًا للعهد حتى وفاته سنة 1943م، مثبتًا أن الشاعر الكبير لا يُقاس ببلاغته فحسب، بل بثباته على كلمته.
موقعه في الذاكرة الأدبية
أجمع الرواة ومؤرخو الأدب الحساني على أن البو ولد أمين كان من القلائل الذين جمعوا بين التكوين العلمي المتين والموهبة الفطرية، وبين الجرأة الفنية والانضباط القيمي. لذا ظل اسمه حاضرًا في المجالس، تُتداول أشعاره شاهدًا على مرحلة ازدهر فيها الشعر الحساني بوصفه ديوان المجتمع ومرآة تحوّلاته.
رحم الله البو ولد أمين، فقد كان شاعرًا صاغ من الكلمة موقفًا، ومن المساجلة فنًا، ومن الوفاء سيرة.







