هل يمكن فعلا “إعادة ضبط” الجهاز العصبي أم أنها مجرد فكرة رائجة؟

في السنوات الأخيرة، انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي نصائح تعد الناس بإمكانية “إعادة ضبط الجهاز العصبي” بسرعة، عبر تمارين تنفس أو حمامات باردة أو طقوس يومية يُقال إنها تعيد الجسم إلى حالة التوازن خلال دقائق. لكن العلم يقدم صورة أكثر تعقيدا بكثير من هذا الطرح المبسط.
فالجهاز العصبي البشري لا يعمل كحاسوب يمكن إعادة تشغيله عند حدوث خلل، بل هو منظومة بيولوجية معقدة تتفاعل باستمرار مع البيئة المحيطة والضغوط النفسية والجسدية.
ويتكون الجهاز العصبي اللاإرادي من فرعين رئيسيين:
- الجهاز الودي المسؤول عن استجابة “القتال أو الهروب”.
- الجهاز نظير الودي الذي يساعد الجسم على الاسترخاء واستعادة الهدوء.
ويعمل هذان النظامان في حالة توازن دائم تسمح للإنسان بالتكيف مع التهديدات والتغيرات اليومية. لكن المشكلة تظهر عندما يتحول التوتر إلى حالة مزمنة، فيبقى الجسم في وضعية التأهب لفترات طويلة.
ويؤكد الباحثون أن التوتر بحد ذاته ليس مرضا، بل آلية دفاعية طبيعية صُممت لحماية الإنسان. غير أن استمرار إفراز هرمونات التوتر مثل الكورتيزول لفترات طويلة قد يؤثر على الدماغ والذاكرة والمزاج والقدرات المعرفية.
وقد ساهمت بعض المصطلحات الرائجة مثل “اختلال الجهاز العصبي” أو “الإرهاق العصبي” في تعزيز هذا الخطاب، رغم أن استخدامها غالبا يكون فضفاضا وغير دقيق علميا، إذ يجري توظيفها لوصف مشاعر يومية عادية مثل القلق أو الإرهاق أو الضغط النفسي.
كما ساعدت نظريات مثل “النظرية متعددة العصب المبهم” على انتشار فكرة “إعادة الضبط”، رغم أن عددا من الباحثين شككوا في دقتها العلمية وفي الطريقة التي تُستخدم بها لتفسير وظائف الجهاز العصبي.
ويرى مختصون أن جاذبية فكرة “الزر السحري” تعود إلى رغبة الإنسان في استعادة السيطرة بسرعة داخل عالم سريع الإيقاع ومليء بالضغوط، إلا أن العلم لا يدعم فكرة وجود حل فوري يعيد التوازن العصبي خلال دقائق.
وبدلا من ذلك، تشير الأدلة العلمية إلى أن تحسين استجابة الجسم للتوتر يعتمد على عادات تراكمية طويلة المدى، أبرزها:
- ممارسة النشاط البدني بانتظام.
- الحصول على نوم كافٍ ومنتظم.
- اتباع نظام غذائي متوازن.
- تقنيات التأمل والتنفس العميق.
- تقليل التوتر المزمن.
- قضاء وقت في الطبيعة أو ممارسة الأنشطة الفنية.
وفي النهاية، لا توجد “إعادة ضبط سحرية” للجهاز العصبي، لأن التوتر جزء طبيعي من التكوين البيولوجي للإنسان. لكن الحفاظ على التوازن النفسي والجسدي يعتمد على نمط حياة متكامل يمنح الجسم فترات مستمرة من التعافي، لا على حلول سريعة أو وصفات رائجة على الإنترنت.









