ثقافة

من سؤال الدولة إلى سؤال الحكم

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

لا أظن أن استحضار سؤال المختار ولد داداه في أطار سنة 1957 يحتاج إلى كل هذا الجدل الذي أُثير حوله. فالسؤال القديم كان ابنَ لحظته: موريتانيا يومها كانت تبحث عن ذاتها، وعن معنى وطنها، وعن إمكانية أن تتحول هذه الجغرافيا والمجتمع إلى دولة تستحق أن تقوم وتستمر.

أما اليوم، وبعد ما يقارب سبعة عقود من الاستقلال، فقد تغيّر السؤال، وإن لم تتغير مسؤوليتنا تجاه الوطن.

لم يعد السؤال: هل تستطيع موريتانيا أن تكون دولة؟
فقد أصبحت دولة، واستقلت، وفرضت وجودها وسيادتها، وتجاوزت بذلك سؤال الكينونة الذي كان يؤرق جيل المؤسسين.

السؤال الأصعب الآن هو: ماذا فعلنا بهذه الدولة؟ وإلى أين نمضي بها؟

وهنا تحديدًا تكمن قيمة الاستطراد من سؤال 1957 إلى سؤال 2026؛ ليس لأن السؤالين متشابهان، وإنما لأنهما يكشفان الفرق بين مرحلتين: مرحلة تأسيس الدولة، ومرحلة مساءلة الدولة عن أدائها.

فالجيل الذي سبق الاستقلال كان مطالبًا ببناء الكيان، أما جيل اليوم فمطالب ببناء المؤسسات التي تجعل هذا الكيان دولةً عادلة وفعالة وقادرة على التجدد.

ومن حقنا، بل من واجبنا، أن نسأل بعد سبعة عقود: هل تكفي الدولة التي ورثناها عن المؤسسين لإدارة مجتمع اليوم؟ وهل تكفي آليات الحكم والإدارة والرقابة والمساءلة القائمة لضمان المستقبل؟ وهل استطاعت السلطة، بكل تعاقباتها، أن تجعل القانون أقوى من الأشخاص، والمؤسسة أقوى من الولاء، والكفاءة أقوى من المحسوبية؟

هذه الأسئلة ليست إنكارًا لما تحقق، بل هي الثمن الطبيعي لنضج الدولة.

لكن المفارقة أن السلطة نفسها جعلت من الإصلاح ومكافحة الفساد وتحسين الحكامة عناوين أساسية في خطابها وبرنامجها الانتخابي. وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجًا، وأشد مشروعية:

إذا كانت المشكلة معروفة، وكانت الإرادة المعلنة للإصلاح موجودة، فلماذا لا تزال الأسئلة ذاتها تعود إلينا بعد سنوات من الحكم؟

لا يكفي أن نعلن الحرب على الفساد؛ المطلوب أن نعرف ماذا تغيّر في بنية الفساد، وفي أدوات الرقابة، وفي قدرة المؤسسات على المحاسبة، وفي علاقة المسؤول بالمال العام.

ولا يكفي أن نتحدث عن الإصلاح؛ فالإصلاح الذي لا يغيّر قواعد إنتاج الخلل يتحول، مع الزمن، إلى خطاب آخر من خطابات السلطة.

كما لا يكفي أن نبحث عن أسباب التعثر في الأزمات الخارجية وحدها. فالأوبئة والحروب والأزمات الدولية قد تفسر بعض الصعوبات، لكنها لا تستطيع أن تفسر كل شيء، ولا أن تصبح إجابة جاهزة عن كل سؤال يتعلق بالحكامة والفساد وضعف المؤسسات.

أما الحديث عن المأمورية الثالثة، فينبغي أن يُقاس بميزان الدستور لا بميزان الرغبات السياسية. فالرئيس نفسه أقسم عند تنصيبه في أغسطس 2024 ألا يتخذ أو يدعم أي مبادرة تؤدي إلى مراجعة الأحكام الدستورية المتعلقة بمدة المأمورية وشروط تجديدها.

ومن ثم فإن القضية الأهم ليست من يروّج لهذا الخيار أو ذاك، وإنما: هل نريد دولة تحكمها النصوص والمؤسسات، أم دولة تبقى أبوابها مفتوحة دائمًا لإعادة تعريف قواعدها وفق موازين القوة والظرف السياسي؟

ذلك هو الامتحان الحقيقي.

فالوفاء لجيل التأسيس لا يكون بتكرار أسئلته، ولا بتحويل إنجازاته إلى حصانة تاريخية للحاضر. الوفاء الحقيقي له أن نمتلك الشجاعة نفسها التي امتلكها عندما طرح سؤال الدولة لأول مرة، فنطرح نحن سؤالًا لا يقل صعوبة:

ما الدولة التي نريدها بعد سبعين عامًا من الاستقلال؟

وإذا كان سؤال الأمس قد انتهى إلى بناء الدولة، فإن سؤال اليوم ينبغي أن ينتهي إلى بناء دولة المؤسسات؛ دولة لا يكون فيها الإصلاح شعارًا، ولا مكافحة الفساد حملة موسمية، ولا الحكامة مجرد مفردة في الخطب، ولا المستقبل رهينًا بأشخاص مهما علا شأنهم.

إن أخطر ما يمكن أن نفعله في هذه اللحظة هو أن نكتفي بالاحتفال بما تحقق، ونمتنع عن مساءلة ما لم يتحقق.

فالدول لا تتقدم بالإنكار، ولا تتجدد بالتقديس.

والقادة الذين يثقون بتاريخهم لا يلعنون من سبقهم، والقادة الذين يثقون بمؤسساتهم لا يخافون من مساءلة من يحكمون.

لقد كان للمؤسسين سؤالهم، وكانت لهم شجاعتهم في مواجهة المجهول.

ولنا اليوم سؤالنا: هل نملك الشجاعة نفسها في مواجهة ما أصبح معلومًا؟

فذلك، في النهاية، هو الفارق بين دولةٍ نجحت في أن تولد، ودولةٍ تنجح في أن تنضج.

حمادي سيدي محمد آباتي

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى