تكنولوجيا

أستراليا تدرس حظر النظارات الذكية في أماكن العمل الحكومية بسبب مخاوف الخصوصية

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

دخلت أستراليا على خط الجدل الدولي المتصاعد بشأن استخدام النظارات الذكية المزودة بكاميرات في الأماكن العامة والرسمية، بعدما بدأت دراسة فرض قيود على استخدامها داخل أماكن العمل والمباني الحكومية الفدرالية، وسط مخاوف من قدرتها على تصوير الأشخاص وتسجيل الأصوات والبيانات دون أن يلاحظ المحيطون بها ذلك بسهولة.

ويأتي هذا التحرك في وقت تتجه فيه دول ومؤسسات حول العالم إلى وضع ضوابط لاستخدام هذه الأجهزة، إذ فرضت جهات في كندا والنرويج والمملكة المتحدة والولايات المتحدة قيودا في مواقع محددة، بينما تبحث دول أوروبية سبل تعزيز حماية الخصوصية في ظل تطور تقنيات التسجيل والذكاء الاصطناعي.

وطلبت وزيرة الخدمة العامة الأسترالية كاتي غالاغر من لجنة الخدمة العامة تقديم توصيات بشأن إمكانية منع النظارات القادرة على التسجيل داخل أماكن العمل الحكومية، مع تحديد الحالات التي قد تستدعي السماح باستخدامها استثناءً.

ولا يتضمن المقترح الحالي حظرا شاملا على استيراد النظارات الذكية إلى أستراليا، وهو ما أوضحته الحكومة خلال إعلانها إصلاحات جديدة لقوانين الخصوصية في أغسطس/آب الماضي.

قيود متزايدة من أستراليا إلى أوروبا وأميركا

لا تقتصر التحركات التنظيمية على أستراليا، إذ بدأت حكومات ومؤسسات في دول مختلفة التعامل مع النظارات الذكية باعتبارها فئة من الأجهزة تستدعي ضوابط خاصة، نظرا لقدرتها على التسجيل بصورة أقل وضوحا من الهواتف المحمولة.

في كندا، فرضت وزارة الدفاع قيودا على استخدام النظارات المزودة بإمكانات التسجيل والاتصال في بعض مواقع القوات المسلحة، وحظرت وجودها في مناطق العمليات والمناطق الأمنية، حتى عندما يؤكد المستخدم أنها متوقفة أو مضبوطة على وضع الطيران.

كما منعت السلطات الكندية استخدامها في مواقع التدريب الصيفي لطلاب الكشافة العسكرية، بسبب المخاطر المرتبطة بإمكان تسجيل الأشخاص أو المعلومات الحساسة دون علمهم.

وفي إنجلترا وويلز، حظرت هيئة المحاكم والخدمات القضائية إدخال نظارات «ميتا» الذكية إلى مباني المحاكم، مع مصادرتها عند الدخول وإعادتها إلى أصحابها عند المغادرة. ويستند القرار إلى القواعد التي تمنع تصوير إجراءات المحاكم، فضلا عن صعوبة اكتشاف التسجيل عندما تكون الكاميرا مدمجة في نظارة عادية.

أما في الولايات المتحدة، فقد اتخذت محاكم في نيويورك إجراءات مماثلة لمنع إدخال النظارات الذكية إلى منشآت النظام القضائي، بهدف الحد من التصوير السري أثناء الإجراءات القضائية.

وفي النرويج، أعلنت مدينة أوسلو في سبتمبر/أيلول منع استخدام النظارات الذكية في المدارس طوال اليوم الدراسي وفي مختلف المراحل التعليمية، لحماية خصوصية الطلاب والحد من تصويرهم أو جمع بيانات عنهم دون موافقتهم.

وامتدت القيود داخل أستراليا نفسها إلى بعض المرافق المحلية؛ إذ بدأت مجالس بلدية، من بينها بريزبن وكانتربيري-بانكستاون، فرض ضوابط على استخدامها في أماكن مثل المسابح والمرافق العامة، فيما تدرس أديلايد إمكانية تطبيق قيود مشابهة في الحدائق والمكتبات وقاعات الاجتماعات.

كاميرا مدمجة في نظارة عادية

تكمن إحدى أبرز المشكلات التي تثيرها النظارات الذكية في طريقة دمج الكاميرات والميكروفونات داخل جهاز يبدو في ظاهره كأي نظارة تقليدية.

فعلى خلاف الهاتف المحمول، الذي يتطلب عادة رفعه وتوجيهه نحو الهدف عند التصوير، تتيح هذه النظارات للمستخدم التقاط الصور ومقاطع الفيديو أثناء ارتدائها، من خلال النظر أو الأوامر الصوتية، وهو ما يجعل من الصعب على الآخرين معرفة ما إذا كانوا يخضعون للتسجيل.

وتزداد حساسية هذه المسألة داخل المؤسسات الحكومية والمحاكم والمدارس وأماكن العمل، حيث قد تلتقط الكاميرات وثائق داخلية أو شاشات حواسيب أو محادثات خاصة أو بيانات شخصية لأفراد يتعاملون مع المؤسسة.

وتشير هيئة السلامة الإلكترونية الأسترالية إلى مجموعة من التدابير التصميمية التي قد تساعد على الحد من هذه المخاطر، بينها توفير مؤشرات واضحة عند بدء التسجيل، وطمس وجوه الأشخاص، وتعطيل التسجيل عندما لا تكون النظارة قيد الارتداء، إلى جانب تأخير البث المباشر وإخضاعه للمراجعة.

ألمانيا وفرنسا تشددان الرقابة على الخصوصية

وصل الجدل بشأن النظارات الذكية في ألمانيا إلى المسار القانوني، بعدما تقدمت منظمة معنية بالحقوق الرقمية بشكوى جنائية ضد شركة «ميتا» وشركات مرتبطة بنظاراتها الذكية، على خلفية مخاوف من إمكان استخدامها لتصوير الأشخاص سرا دون موافقتهم.

وتستند الشكوى إلى القوانين الألمانية التي تحظر بعض أجهزة الاتصال المصممة للتسجيل الخفي. وفي المقابل، أوضحت هيئة الشبكات الفدرالية أن استخدام النظارات الذكية قد يكون مسموحا عندما تكون وظيفة التسجيل واضحة للمحيطين بالمستخدم.

وفي فرنسا، كثفت هيئة حماية البيانات «سي إن آي إل» تحذيراتها بشأن المخاطر المرتبطة بهذه الأجهزة، وأطلقت خطة عمل للتعامل مع تداعياتها على الخصوصية.

وخلال سبتمبر/أيلول، فتحت النيابة العامة في باريس تحقيقا جنائيا بشأن مزاعم تتعلق باستخدام نظارات ذكية لتصوير نساء دون موافقتهن، في حين تلقت هيئة حماية البيانات شكاوى واستفسارات من أماكن عمل بشأن إمكانية منع هذه الأجهزة.

ولا يعني ذلك أن ألمانيا وفرنسا فرضتا حظرا وطنيا شاملا على النظارات الذكية، إذ تتركز الإجراءات الحالية على تطبيق قوانين الخصوصية القائمة، وتقييم مدى كفايتها لمواجهة القدرات الجديدة التي توفرها هذه التقنيات.

الذكاء الاصطناعي يوسع نطاق المخاوف

لا تتوقف قدرات النظارات الذكية الحديثة عند التقاط الصور وتسجيل الفيديو، إذ تتيح بعض الطرز استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل المشاهد التي يراها المستخدم، وترجمة النصوص، ووصف الأشياء المحيطة، والإجابة عن أسئلة تتعلق بما يظهر أمام الكاميرا.

ويثير هذا التطور تساؤلات تتجاوز مجرد معرفة ما إذا كان الشخص يتعرض للتصوير، لتشمل كيفية معالجة الصور، وما إذا كانت تُخزن أو تُرسل إلى خوادم خارج الجهاز، وإمكانية ربطها بمعلومات أخرى تتعلق بالأشخاص الظاهرين فيها.

كما تبرز مخاوف بشأن استخدام البيانات في أنظمة التعرف إلى الأشخاص أو تحليل سلوكهم، خصوصا إذا جرى جمع المعلومات دون علمهم أو موافقتهم.

ولهذا، يرى النقاش التنظيمي أن التعامل مع هذه الأجهزة لا يقتصر على منع التصوير في بعض الأماكن، بل يتطلب أيضا دراسة طريقة عمل البرمجيات، وآليات تخزين البيانات ونقلها، والضمانات التي توفرها الشركات لحماية المستخدمين والأشخاص المحيطين بهم.

هل يكون الحظر هو الحل؟

رغم المخاوف المتعلقة بالخصوصية، لا تقتصر استخدامات النظارات الذكية على التصوير، إذ يمكن أن توفر فوائد عملية للأشخاص ذوي الإعاقة، مثل تحويل الكلام إلى نص مكتوب، أو وصف المشاهد للأشخاص الذين يعانون ضعفا في البصر.

وتجعل هذه الاستخدامات مهمة وضع القواعد أكثر تعقيدا من مجرد الاختيار بين السماح بهذه الأجهزة وحظرها بالكامل. فقد تتجه الحكومات إلى منعها في المواقع الحساسة، مثل المحاكم والمنشآت الأمنية والمدارس، مع السماح باستخدامها في أماكن أخرى وفق شروط واضحة.

ويمكن كذلك تحميل الشركات المصنعة جزءا من مسؤولية معالجة المخاطر، عبر توفير مؤشرات تسجيل يصعب إخفاؤها، ومنع تعطيلها، وتقييد جمع البيانات الحساسة، ومعالجة المعلومات على الجهاز نفسه كلما أمكن، وتعطيل بعض الوظائف في المواقع التي تتطلب حماية مشددة للخصوصية.

وفي هذا السياق، أفادت رويترز بأن شركة «ميتا» تعمل على تطوير نسخة من نظاراتها لا تتضمن كاميرا، في خطوة قد تتيح الاحتفاظ ببعض وظائف المساعدة والذكاء الاصطناعي مع الاستغناء عن إحدى أبرز الخصائص المثيرة للجدل.

اختبار تنظيمي عالمي للتقنيات القابلة للارتداء

تعكس التحركات الأسترالية تحولا في التعامل مع النظارات الذكية، من التحذيرات العامة بشأن مخاطرها إلى دراسة قواعد تحدد أين يمكن استخدامها، وما الشروط التي ينبغي توافرها لحماية الخصوصية.

ففي الوقت الذي تبحث فيه أستراليا تقييد استخدامها داخل أماكن العمل الحكومية، تفرض كندا قيودا في مواقع عسكرية وأمنية، وتحظرها مدارس أوسلو، بينما تمنعها محاكم في إنجلترا وويلز ونيويورك. وفي ألمانيا وفرنسا، تتزايد الضغوط القانونية والرقابية على الشركات المصنعة.

ومع استمرار تطور الأجهزة واندماجها مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، سيظل التحدي الأساسي هو إيجاد توازن بين الاستفادة من إمكاناتها العملية وحماية الأفراد من التسجيل غير المرئي وجمع البيانات دون علمهم.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى