أكتوبر الوردي.. كيف يسهم الكشف المبكر في زيادة فرص النجاة من سرطان الثدي؟

في شهر أكتوبر/تشرين الأول من كل عام، تتزين واجهات المؤسسات والشاشات باللون الوردي، بالتزامن مع إطلاق حملات توعية بسرطان الثدي في مختلف أنحاء العالم. لكن هذا اللون لا يقتصر على كونه رمزا لحملة سنوية، بل يحمل رسالة صحية مهمة تدعو إلى التعرف على أعراض المرض، وفهم عوامل الخطر المرتبطة به، وعدم تأخير الفحوص الطبية عند ظهور علامات تستدعي الانتباه.
ويهدف «أكتوبر الوردي» إلى تعزيز الوعي بأهمية الكشف المبكر، وتشجيع النساء على الاهتمام بصحتهن، وتسهيل وصول المصابات إلى التشخيص والعلاج المناسبين، إذ يمكن للتدخل في الوقت الملائم أن يحسن فرص النجاة ويؤثر بصورة كبيرة في مسار العلاج.
كيف انطلقت حملة أكتوبر الوردي؟
بدأت مبادرة التوعية بسرطان الثدي عام 1985، عندما شاركت الجمعية الأمريكية للسرطان في إطلاق حملة استمرت أسبوعا، ركزت على تثقيف النساء بشأن المرض ووسائل الكشف المبكر، وفي مقدمتها التصوير الشعاعي للثدي المعروف باسم «الماموغرام».
ومع مرور السنوات، توسعت المبادرة وتحولت إلى حملة توعية تمتد طوال شهر أكتوبر، لتصبح مناسبة عالمية تسلط الضوء على سرطان الثدي، وتدعم المصابات والناجيات، وتشجع على إجراء الفحوص المناسبة.
ولم يُختَر هذا الشهر بسبب ارتباطه بزيادة معدلات الإصابة أو بخصائص بيولوجية للمرض، بل لأن المبادرة انطلقت خلاله، قبل أن يتحول تدريجيا إلى موعد سنوي للحملات والأنشطة التوعوية.
أما الشريط الوردي، فقد انتشر على نطاق واسع في أوائل تسعينيات القرن الماضي، وأصبح لاحقا الرمز الأكثر شهرة للحملة، ودلالة على التضامن مع المصابات والناجيات، والدعوة إلى تعزيز الوعي الصحي.
2.4 مليون إصابة بسرطان الثدي سنويا
على الرغم من التطور المستمر في وسائل التشخيص والعلاج، لا يزال سرطان الثدي من أبرز التحديات الصحية التي تواجه النساء عالميا.
وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى تشخيص نحو 2.4 مليون امرأة بالمرض خلال عام 2024، في حين توفيت قرابة 694 ألف امرأة نتيجة الإصابة به. كما تصدر سرطان الثدي قائمة أنواع السرطان الأكثر تشخيصا لدى النساء في 164 دولة من أصل 186 دولة شملتها البيانات.
ولا يقتصر تأثير المرض على أعداد المصابات والوفيات، بل يمتد إلى التفاوت الكبير في فرص الحصول على التشخيص والعلاج، إذ تلعب الإمكانات الصحية المتاحة في كل بلد دورا مهما في تحديد النتائج العلاجية.
وتوضح بيانات المنظمة أن نحو 87 امرأة من كل 100 امرأة مشخصة بسرطان الثدي في البلدان مرتفعة الدخل يبقين على قيد الحياة بعد خمس سنوات من التشخيص، مقارنة بنحو 42 امرأة فقط في البلدان منخفضة الدخل، بينما يبلغ المتوسط العالمي قرابة 78 امرأة من كل 100.
وترتبط هذه الفوارق بعدة عوامل، من بينها اكتشاف المرض في مراحل متقدمة، وصعوبة الوصول إلى الفحوص والعلاجات الفعالة، والتفاوت في جودة الخدمات الصحية وتوافرها.
ويُستخدم مؤشر البقاء على قيد الحياة بعد خمس سنوات لمقارنة نتائج المرض بين مجموعات كبيرة من المرضى والبلدان، ولا يعني أن المصابة لن تعيش أكثر من خمس سنوات. فقد تعيش النساء سنوات طويلة بعد التشخيص، تبعا لمرحلة المرض وطبيعة الورم والاستجابة للعلاج وإمكانية الحصول على الرعاية المناسبة.
هل يتطلب سرطان الثدي وجود تاريخ عائلي؟
من المفاهيم الخاطئة الشائعة أن الإصابة بسرطان الثدي تقتصر على النساء اللاتي لديهن أقارب سبق أن أصيبوا بالمرض. لكن بيانات منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن نحو 80% من الحالات تحدث لدى نساء لا يوجد لديهن عامل خطر محدد قابل للتعديل سوى الجنس الأنثوي والتقدم في العمر.
كما أن معظم النساء اللاتي يُشخَّصن بالمرض لا يملكن تاريخا عائليا معروفا للإصابة به، وهو ما يؤكد أهمية الانتباه إلى العلامات المحتملة وعدم إهمال الفحوص المناسبة لمجرد غياب الإصابات العائلية.
ومع ذلك، توجد عوامل أخرى قد تزيد احتمالات الإصابة، من بينها السمنة، وتناول الكحول، والتعرض السابق للإشعاع، وبعض العوامل المرتبطة بالتاريخ الإنجابي، والتدخين، واستخدام العلاج الهرموني بعد انقطاع الطمث. كذلك قد يرفع التاريخ العائلي وبعض الطفرات الجينية مستوى الخطر لدى فئات معينة.
ولا يعني وجود أحد هذه العوامل بالضرورة الإصابة بالمرض، كما أن غيابها لا يضمن عدم حدوثه، لذلك تظل المتابعة الطبية والالتزام بإرشادات الفحص المناسبة للعمر ومستوى الخطورة من الأمور المهمة.
الكشف المبكر يرفع فرص النجاة
تُعد المرحلة التي يُكتشف فيها سرطان الثدي من أبرز العوامل المؤثرة في فرص النجاة، إذ تكون النتائج العلاجية أفضل عموما عندما يظل الورم محصورا داخل الثدي ولم ينتشر إلى مناطق أخرى من الجسم.
وتظهر بيانات برنامج المراقبة والوبائيات والنتائج النهائية «SEER» التابع للمعهد الوطني للسرطان في الولايات المتحدة أن معدل البقاء النسبي لمدة خمس سنوات يبلغ نحو 100% عندما يكون السرطان موضعيا داخل الثدي، وينخفض إلى 87.5% عندما يمتد إلى العقد اللمفاوية أو الأنسجة القريبة، ثم يصل إلى 33.8% عند انتشار المرض إلى أعضاء بعيدة. وتستند هذه الأرقام إلى بيانات الفترة بين عامي 2016 و2022.
وتعكس هذه النسب الفروق الإحصائية بين مجموعات المرضى، لكنها لا تحدد بصورة قاطعة مصير أي مريضة بعينها، إذ تتأثر النتائج بعوامل تشمل نوع الورم وخصائصه البيولوجية ومرحلته وعمر المريضة وحالتها الصحية واستجابتها للعلاج.
ومع ذلك، تبرز هذه البيانات أهمية اكتشاف المرض في مرحلة مبكرة، وسرعة الوصول إلى الرعاية المتخصصة، وبدء العلاج المناسب دون تأخير غير مبرر.
لماذا تختلف علاجات سرطان الثدي؟
لا تُعامل أورام الثدي جميعها بالطريقة نفسها، إذ تختلف في خصائصها البيولوجية ومدى استجابتها للأدوية، ولذلك يعتمد اختيار العلاج على مجموعة من الفحوص التي تساعد الأطباء على تحديد طبيعة الورم والخيارات الأكثر ملاءمة لكل حالة.
ومن أهم الفحوص تحديد وجود مستقبلات هرموني الإستروجين والبروجستيرون، إلى جانب تقييم بروتين «HER2». وتساعد نتائج هذه الاختبارات في معرفة مدى استفادة المريضة من العلاج الهرموني أو العلاجات الموجهة، كما تسهم في تحديد الحاجة إلى خيارات أخرى، مثل العلاج الكيميائي أو المناعي، وفقا لنوع الورم ومرحلته.
ولا توجد خطة علاجية موحدة لجميع المريضات؛ فقد يبدأ العلاج في بعض الحالات بالأدوية قبل إجراء الجراحة، بهدف تقليص حجم الورم وتسهيل استئصاله، بينما تكون الجراحة الخطوة الأولى في حالات أخرى. ويعتمد القرار على حجم الورم ومدى انتشاره وخصائصه البيولوجية والحالة العامة للمريضة.
وفي حالات محددة، يمكن الاستعانة باختبارات جينية تحلل نشاط مجموعة من الجينات داخل الورم، للمساعدة في تقدير احتمال عودة السرطان وتحديد مدى الحاجة إلى بعض العلاجات. غير أن هذه الاختبارات ليست مناسبة لكل المريضات، ويحدد الفريق الطبي مدى جدواها بناء على خصائص الحالة.
الحفاظ على الخصوبة وجودة الحياة
من الجوانب التي تستدعي الاهتمام قبل بدء العلاج مسألة الخصوبة لدى النساء في سن الإنجاب، إذ يمكن لبعض أنواع العلاج الكيميائي والعلاج الهرموني أن تؤثر في القدرة على الحمل والإنجاب.
لذلك، يُنصح بمناقشة الرغبة في الإنجاب مستقبلا مع الفريق المعالج قبل بدء العلاج، حتى يمكن تقييم الخيارات المتاحة للحفاظ على الخصوبة، متى كان ذلك مناسبا وممكنا من الناحية الطبية.
كما يتحدد الهدف من العلاج وفقا لمرحلة المرض. فعندما يكون السرطان موضعيا أو قابلا للعلاج بهدف الشفاء، تركز الخطة الطبية على القضاء على الورم وتقليل احتمال عودته. أما إذا انتشر إلى أعضاء بعيدة، فيكون الهدف عادة السيطرة على المرض لأطول فترة ممكنة، وإطالة عمر المريضة، وتخفيف الأعراض، والحفاظ على جودة حياتها.
ويؤكد «أكتوبر الوردي» أن التوعية بسرطان الثدي لا ينبغي أن تقتصر على شهر واحد، بل يجب أن تتحول إلى اهتمام مستمر بالصحة، ومعرفة التغيرات التي قد تطرأ على الثدي، وطلب التقييم الطبي عند ظهور علامات غير معتادة، والالتزام بإرشادات الفحص المناسبة لكل امرأة.
فالوعي بالمرض، والكشف المبكر، والوصول إلى التشخيص الدقيق والعلاج الملائم، عوامل يمكن أن تسهم في تحسين النتائج العلاجية ومنح أعداد أكبر من النساء فرصا أفضل للنجاة.









