حين فاضت دموع الإعلامي محمد اكريشان / النجاح بنت محمذ فال

التاسع من أبريل.. ذكرى الدموع والمآسي، يوم أزهرت فيه الهزائم، وأثمرت حقول المنكرات، وسقطت فيه الأقنعة عن عالم لم يتردد في إعلان قذارته، وهو يحشد آلته العسكرية لتدمير العراق وإطفاء جذوة نهضته.
إنه يوم سقوط بغداد، حين اجتمعت جيوش تحالف دولي ضم نحو ثمانين دولة، في مشهد بدا وكأن العالم كله قد قرر أن يعاقب العراق على تطلعه إلى النهوض، وأن يدفن تحت ركام الحرب أحلام شعبه وآماله. يومها لم تسقط مدينة فحسب، بل سقطت معها آخر أوهام العدالة الدولية، وانكشفت حقيقة عالم لا يتردد في سحق الشعوب متى تعارضت إرادتها مع مصالح الأقوياء.
في خضم ذلك المشهد القاتم، فاضت دموع الإعلامي محمد اكريشان، لتشق عتمة الدخان المتصاعد من الدبابات الأمريكية التي اخترقت أرض العراق، وانتهكت أمنه، ولوثت نخيل الرافدين بعار الحرب. كانت دموعه أبلغ من الخطب، وأصدق من البيانات، وأقدر على التعبير عن وجع أمة وجدت نفسها عاجزة أمام مشهد الخراب.
لم تكن تلك الدموع مجرد انفعال عابر، بل كانت احتجاجًا إنسانيًا عصيًا على التدجين، وموقفًا أخلاقيًا استعصى على السجن الذي حاول اكريشان أن يحبس فيه مشاعره. غير أن الدموع، حين تكون بحجم المأساة، لا تعرف القضبان، ولا تستأذن الجدران، بل تشق طريقها إلى العيون والقلوب، وتوقظ فينا ما تبقى من القدرة على الإحساس بالألم.
يومها، قالت الجفون كلمتها الأخيرة، وارتفعت صرخة الأجنة في الأرحام، كأنها تستعجل الخروج إلى عالم لم يعد يحتمل مزيدًا من الصمت. كان ذلك يوم النزول إلى معمعان المعركة، لا بالسلاح وحده، بل بالكلمة والموقف والدمعة التي تختصر عجز الإنسان أمام جبروت القوة.
كان التاسع من أبريل يومًا للفيضان؛ فيضان المشاعر، وانكسار الصمت، والعبور من حدود السياسة إلى ما وراءها، حيث تتعرى المواقف من حساباتها، ويصبح الألم حقيقة لا تحتاج إلى تبرير.
وحين أسرع زورق محمد اكريشان نحو بحر الدموع، بدا الزمن وكأنه توقف للحظات، ليمنح كل عربي ومسلم تأشيرة مفتوحة للبكاء. تأشيرة لا تنتهي صلاحيتها، ولا تحدها الجغرافيا، ولا تحتاج إلى ختم من سلطة أو إذن من رقيب. لكنها، في الوقت نفسه، تطرح سؤالًا موجعًا: هل أصبح البكاء هو الملاذ الأخير لأمة ضاقت بها سبل الفعل، حتى غدت الدموع أصدق تعبير عن مواقفها؟
نعم، للدموع عندنا تاريخ، وللوجع في ذاكرتنا العربية سجل طويل، تختلط فيه الخيبات بالانكسارات، وتتعاقب فيه المآسي حتى تكاد الدموع تصبح جزءًا من هويتنا الجماعية.
فَفاضَت دُموعُ العَينِ مِنّي صَبابَةً عَلى النَحرِ حَتّى بَلَّ دَمعِيَ مِحمَلي
لكن هل تكفي الدموع لتضميد جراح التاسع من أبريل؟ وهل تستطيع العبرة، مهما بلغت حرارتها، أن تمحو صورة بغداد وهي تسقط تحت نيران الغزاة؟ لقد كانت تلك المأساة أكبر من أن تحتويها دمعة، وأعمق من أن يختزلها مشهد بكاء، وأقسى من أن تمر في ذاكرة العرب والمسلمين دون أن تترك فيها ندبة لا تندمل.
لعل ذكرى ذلك اليوم أيقظت امرأ القيس من مرقده، واستدعت من قصيدته ما يختصر حيرة الإنسان أمام الأطلال، وعجزه عن استعادة ما اندثر من العمر والأحلام.
وإِنَّ شِفائِي عَبْرَةٌ مُهْرَاقَةٌ فَهَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ؟
ربما أعادت الذكرى إلى وجداننا مخزونًا هائلًا من الدموع، وفتحت في ذاكرتنا جراحًا ظننا أنها التأمت، لكنها لم توقظ فينا الفنان الذي يستطيع أن يحوّل تلك اللحظة الإنسانية إلى عمل فني خالد، يخلد دموع محمد اكريشان، ويمنحها حياة تتجاوز زمن المأساة. وكما خلد بيكاسو لحظات الألم الإنساني في لوحاته، كان يمكن لدموع اكريشان أن تصبح أثرًا فنيًا يستعصي على النسيان، وشاهدًا بصريًا على وجع أمة بأكملها.
وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: أي مجتمع نحن، إذا كانت الهزات الكبرى تمر في وجداننا دون أن تحرك فينا طاقة الإبداع، وإذا كانت المآسي توقظ دموعنا، لكنها لا توقظ الفنان فينا، ولا تستنهض قدرتنا على تحويل الألم إلى ذاكرة حية، والفاجعة إلى وعي، والانكسار إلى فعل؟
إن المأساة ليست في أن نبكي، فالبكاء تعبير عن إنسانيتنا، وإنما المأساة الحقيقية أن نكتفي بالدموع، ثم نترك الزمن يطوي صفحات الألم، من دون أن نمنحها ما تستحقه من توثيق وإبداع وذاكرة.
فدموع محمد اكريشان لم تكن مجرد دموع إعلامي تأثر بسقوط بغداد، بل كانت لحظة إنسانية كثيفة تختزل وجع العراق، وانكسار العرب، وعجز العالم عن حماية شعب من آلة الحرب. وهي، بما حملته من صدق وألم، تستحق أن تبقى أكثر من ذكرى عابرة في سجل المآسي.
فهل نملك من الوعي والإبداع ما يجعلنا نحفظ هذه اللحظات من النسيان، أم أننا سنظل أمة تستيقظ على وقع الكوارث، وتبكي طويلًا، ثم تمضي كأن شيئًا لم يكن؟









