فضاء الرأي

البحر الأحمر.. ساحة صراع الإمبراطوريات وميدان تشكل موازين القوى الجديدة”

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال


تنويه تحريري: أُعيدت صياغة هذا المقال بأسلوب صحفي تحليلي، مع تطوير العناوين وترتيب الأفكار وتحسين الترابط بين الفقرات، مع الحفاظ على المضمون الأساسي والرؤية الاستراتيجية التي طرحها الكاتب تركي القبلان في مقاله المنشور على موقع الجزيرة.
“البحر الأحمر.. ساحة صراع الإمبراطوريات وميدان تشكل موازين القوى الجديدة”
لم يكن البحر الأحمر مجرد ممر مائي يربط بين الشرق والغرب، بل ظل عبر قرون طويلة مسرحا للتنافس بين القوى الكبرى، ومجالا لاختبار نفوذ الإمبراطوريات وقدرتها على حماية مصالحها التجارية والعسكرية. فمن يفرض سيطرته على مداخله ومخارجه يمتلك ورقة استراتيجية مؤثرة في حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة والاتصالات الدولية.
وفي ظل تصاعد التوترات الإقليمية، يعود البحر الأحمر إلى واجهة الحسابات الجيوسياسية، بوصفه أحد أهم الممرات البحرية التي يمكن أن تحدد طبيعة التوازنات الدولية المقبلة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تعطل الملاحة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية.
وفي مقال تحليلي نشرته الجزيرة، يرى الكاتب والمحلل السياسي السعودي تركي القبلان أن هذا الممر البحري يمثل ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى، وأن التحولات الجارية فيه قد تعيد رسم خريطة النفوذ الإقليمي والدولي.
من البرتغال إلى بريطانيا.. تاريخ الصراع على الممرات البحرية
يستعيد القبلان محطات تاريخية بارزة في التنافس على البحر الأحمر، مشيرا إلى أن البرتغال حاولت، خلال القرن السادس عشر، توسيع نفوذها البحري والوصول إلى الموانئ الاستراتيجية في المنطقة، لكنها لم تتمكن من إحكام قبضتها على الممر.
أما بريطانيا، فقد أدركت مبكرا الأهمية الاستراتيجية للموقع، فسيطرت على عدن عام 1839، ثم اشترت حصة مصر في قناة السويس عام 1875، قبل أن تحتل مصر عام 1882، لتؤمن بذلك نفوذا واسعا على جانبي الطريق البحري الذي يصل أوروبا بآسيا.
غير أن هذا النفوذ البريطاني بدأ يتراجع بصورة حاسمة خلال أزمة السويس عام 1956، حين اضطرت بريطانيا وفرنسا إلى إنهاء عملياتهما العسكرية والانسحاب، تحت ضغوط دولية، في مقدمتها الموقف الأمريكي والتهديد السوفياتي.
ويعتبر الكاتب أن تلك الأزمة مثلت محطة مفصلية في تاريخ النظام الدولي؛ إذ كشفت حدود القوة البريطانية، ومهدت لترسيخ مكانة الولايات المتحدة باعتبارها القوة الغربية الأكثر تأثيرا في إدارة التوازنات العالمية.
واكتمل التحول لاحقا مع الانسحاب البريطاني من عدن عام 1967، ثم إعلان لندن عام 1968 إنهاء التزاماتها العسكرية شرقي السويس، في تطور عكس تراجع الإمبراطورية البريطانية وصعود مرحلة جديدة من الهيمنة الأمريكية.
البحر الأحمر وهرمز.. معادلة الاختناق المزدوج
يرى القبلان أن أهمية البحر الأحمر تتجاوز موقعه الجغرافي، نظرا إلى ارتباطه بممرين حيويين هما قناة السويس شمالا ومضيق باب المندب جنوبا، فضلا عن اتصاله بمنظومة الممرات البحرية التي يشكل مضيق هرمز أحد أهم أجزائها.
ويطلق الكاتب على هذه المعادلة مفهوم «الاختناق المزدوج»، في إشارة إلى الترابط الاستراتيجي بين الممرات البحرية التي تعبرها إمدادات الطاقة والتجارة العالمية.
فأي اضطراب في مضيق هرمز يمكن أن يدفع الأسواق الدولية إلى البحث عن مسارات بديلة لنقل النفط، بينما يؤدي تعطل الملاحة في باب المندب أو قناة السويس إلى زيادة الضغوط على حركة التجارة بين آسيا وأوروبا.
وقد أظهرت اضطرابات الملاحة منذ أواخر عام 2023 محدودية البدائل المتاحة؛ إذ تضطر السفن التي تتجنب البحر الأحمر إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ما يضيف أياما إلى رحلاتها ويرفع تكاليف الوقود والشحن والتأمين.
وبحسب تحليل القبلان، فإن التحولات التي شهدتها المنطقة خلال عام 2026 عززت أهمية البحر الأحمر باعتباره مسارا بديلا لنقل جزء من إمدادات الطاقة، خصوصا في ظل التوترات المرتبطة بمضيق هرمز.
لكن هذه الأهمية تقابلها مخاطر متزايدة، إذ إن تهديد الملاحة في باب المندب قد يحول هذا الممر من خيار بديل إلى نقطة اختناق جديدة، بما يضاعف التداعيات الاقتصادية على الأسواق العالمية.
معادلة القوة تتغير.. التعطيل أقل كلفة من الحماية
يشدد الكاتب على أن مفهوم القوة الاستراتيجية شهد تحولا جوهريا خلال العقود الماضية؛ فبعدما ارتبط النفوذ في مرحلة سابقة بالسيطرة على الموارد النفطية، أصبحت القدرة على ضمان تدفق الطاقة والبضائع والبيانات عاملا أساسيا في تحديد مكانة الدول.
وفي هذا السياق، لم تعد السيطرة البحرية تقاس بحجم الأساطيل وحده، بل بمدى القدرة على حماية خطوط الملاحة واستمرار عملها في مواجهة التهديدات.
ويبرز القبلان مفارقة استراتيجية تتمثل في أن تعطيل الممرات البحرية قد يكون أقل كلفة بكثير من حمايتها؛ فالهجمات باستخدام الطائرات المسيرة والصواريخ منخفضة التكلفة يمكن أن تفرض على القوى البحرية الكبرى استخدام منظومات دفاعية باهظة الثمن.
وتؤدي هذه المعادلة إلى استنزاف الموارد العسكرية والمالية للدول التي تتولى حماية الممرات، في حين يستطيع الطرف المهاجم تحقيق تأثير اقتصادي واسع حتى من خلال عمليات محدودة.
ومن هنا، يرى الكاتب أن التفوق العسكري التقليدي لم يعد كافيا وحده لضمان الأمن البحري، وأن النجاح في هذا المجال يتطلب وجودا ميدانيا مستداما، وقدرات استخباراتية متقدمة، وقواعد جوية وبحرية، وشبكات رادار وإمداد قادرة على الاستجابة السريعة.
كما يمنح القرب الجغرافي الدول المطلة على البحر الأحمر ميزة نسبية، لأنها تستطيع الاعتماد على عمقها الإقليمي وبنيتها التحتية وموانئها، بدلا من الاعتماد الكامل على قوات بحرية قادمة من مسافات بعيدة.
جيبوتي.. نقطة التقاء القوى الدولية
تجسد جيبوتي، الواقعة عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، حجم التنافس الدولي على الممرات البحرية، إذ تستضيف وجودا عسكريا لقوى متعددة، من بينها الولايات المتحدة وفرنسا واليابان والصين.
وتكتسب هذه المنطقة أهمية خاصة بسبب موقعها القريب من باب المندب، الذي يمثل إحدى البوابات الرئيسية لحركة التجارة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر.
كما تسعى روسيا، وفق ما يشير إليه الكاتب، إلى تعزيز حضورها على الساحل السوداني، في إطار مساعيها لتوسيع نفوذها البحري في المنطقة.
ويعكس هذا التزاحم العسكري إدراك القوى الدولية أن أمن البحر الأحمر يرتبط مباشرة بمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، ولا سيما أن الصين تعتمد على الممرات البحرية في نقل جانب مهم من تجارتها إلى الأسواق الأوروبية.
لكن القبلان يلفت إلى أن امتلاك قاعدة عسكرية أو استئجارها لا يعني بالضرورة امتلاك السيطرة الفعلية على الممر البحري؛ فالتأثير المستدام يتطلب شراكات إقليمية راسخة وقدرة على التعامل مع التحديات الأمنية والاقتصادية والسياسية المحيطة به.
السعودية والبحر الأحمر.. من الموقع الجغرافي إلى القيادة الإقليمية
يضع الكاتب السعودية في قلب التحولات الجارية، مستندا إلى موقعها الجغرافي الممتد على ساحل البحر الأحمر، وإلى ما تمتلكه من إمكانات اقتصادية وبنية تحتية للطاقة وقدرة على بناء الشراكات الإقليمية.
ويرى أن المملكة تسعى إلى تحويل موقعها الجغرافي إلى نفوذ سياسي وأمني، عبر الانتقال من الاعتماد على الترتيبات الدولية القائمة إلى تطوير أطر إقليمية مشتركة لحماية الملاحة وتأمين المصالح الاقتصادية للدول المشاطئة.
وفي هذا الإطار، يشير المقال إلى تأسيس مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن عام 2020، باعتباره إطارا سياسيا لتنسيق المصالح بين الدول المعنية بأمن المنطقة.
كما يتناول ما يصفه بالتحول نحو التعاون العملياتي البحري، من خلال إعلان تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات في 30 يوليو 2026، يضم، وفق ما أورده المقال، 14 دولة، من بينها باكستان وتركيا ومصر وجيبوتي والصومال.
ويشير الكاتب إلى أن هذا التوجه يعكس محاولة لبناء منظومة أمن بحري تستند إلى مشاركة الدول المعنية مباشرة باستقرار المنطقة، بدلا من ترك مسؤولية الحماية للقوى الخارجية وحدها.
وتتمثل أهمية هذا التصور في ربط الأمن البحري بالمصالح الاقتصادية للدول المطلة على البحر الأحمر، بما يتيح لها تنسيق الجهود وتوزيع الأدوار في مواجهة التهديدات التي تستهدف السفن وخطوط الإمداد.
خط أنابيب شرق-غرب.. ورقة استراتيجية في مواجهة أزمات الطاقة
ومن أبرز العناصر التي يستند إليها القبلان في تحليله، خط أنابيب النفط السعودي «شرق-غرب»، الذي يربط حقول المنطقة الشرقية بميناء ينبع على البحر الأحمر.
ويبلغ طول الخط نحو 1200 كيلومتر، وقد أُنشئ لتعزيز مرونة صادرات النفط السعودية وتقليل الاعتماد على المرور عبر مضيق هرمز.
وبحسب الأرقام الواردة في المقال، رفعت السعودية الطاقة التشغيلية للخط إلى نحو سبعة ملايين برميل يوميا خلال مارس 2026، في حين بلغت صادرات الخام عبر ينبع نحو خمسة ملايين برميل يوميا.
وتكشف هذه الأرقام، وفق قراءة الكاتب، عن الأهمية المتزايدة للبنية التحتية البرية في إدارة أزمات الطاقة؛ إذ تستطيع خطوط الأنابيب توفير مسارات بديلة لنقل النفط عندما تتعرض الممرات البحرية التقليدية للاضطراب.
ويشير المقال كذلك إلى تعرض محطات ضخ مرتبطة بالخط لهجمات بطائرات مسيرة، قبل استئناف العمل فيه بعد 11 يوما من محاولة تعطيله.
ويعكس ذلك، بحسب التحليل، أن البنية التحتية للطاقة أصبحت جزءا أساسيا من معادلة الأمن الإقليمي، وأن حماية خطوط الأنابيب ومحطات الضخ والموانئ لم تعد مسألة اقتصادية منفصلة عن الأمن البحري.
فخط الأنابيب الذي ينقل النفط من شرق المملكة إلى ساحل البحر الأحمر يمنح السعودية هامشا إضافيا للتحرك في مواجهة اضطرابات مضيق هرمز، لكنه يجعل أمن البحر الأحمر وموانئه جزءا لا يتجزأ من أمن صادراتها النفطية.
الأمن الإقليمي في مواجهة الاعتماد على القوى الخارجية
يخلص القبلان إلى أن التحولات الراهنة تفتح المجال أمام الدول المطلة على البحر الأحمر لتولي دور أكبر في إدارة أمن المنطقة، من خلال بناء شراكات دفاعية وتطوير قدرات بحرية مشتركة.
ويكتسب هذا التوجه أهميته من أن الدول البعيدة جغرافيا، مهما بلغت قدراتها العسكرية، قد تعيد حساباتها عندما ترتفع كلفة التدخل أو تتعدد الأزمات التي تستنزف مواردها.
أما الدول المشاطئة، فتظل مصالحها مرتبطة بصورة مباشرة باستقرار الممرات البحرية، الأمر الذي يجعل الاستثمار في الأمن الإقليمي ضرورة استراتيجية طويلة الأمد.
ومن هذا المنطلق، يقرأ الكاتب التحركات السعودية في البحر الأحمر باعتبارها محاولة لتعزيز دور إقليمي يقوم على الجمع بين الموقع الجغرافي والقدرة الاقتصادية والمبادرة السياسية.
ومع ذلك، فإن نجاح أي منظومة أمنية إقليمية يظل مرتبطا بقدرتها على تحويل الاتفاقات السياسية إلى تعاون عملي، وبناء آليات تنسيق فعالة، وتوفير قدرات مستدامة لحماية الملاحة ومواجهة التهديدات المتغيرة.
البحر الأحمر.. اختبار جديد لموازين القوى العالمية
في المحصلة، يرى تركي القبلان أن البحر الأحمر يمثل اليوم إحدى الساحات التي تتحدد فيها ملامح التنافس على النفوذ العالمي، تماما كما كان في مراحل تاريخية سابقة مسرحا لصعود قوى كبرى وتراجع أخرى.
فالتحدي لم يعد مقتصرا على السيطرة على الموانئ أو امتلاك الأساطيل، بل بات مرتبطا بالقدرة على ضمان استمرارية التجارة والطاقة والاتصالات، والتعامل مع تهديدات منخفضة التكلفة لكنها قادرة على إحداث اضطرابات واسعة.
وبينما تسعى القوى الدولية إلى حماية مصالحها في هذا الممر الحيوي، تتزايد أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه الدول المطلة عليه في صياغة ترتيبات أمنية أكثر استدامة.
ويخلص المقال إلى أن السعودية تمتلك، بحكم موقعها وإمكاناتها الاقتصادية ومشروعاتها المرتبطة بالطاقة، مقومات تؤهلها للاضطلاع بدور مؤثر في هذه المعادلة.
وهكذا، لا يعود البحر الأحمر مجرد مساحة جغرافية تفصل بين القارات، بل يتحول إلى ميدان لاختبار الإرادة السياسية والقدرة العسكرية وكفاءة الشراكات الإقليمية، في عالم باتت فيه حماية الممرات الحيوية شرطا أساسيا للحفاظ على النفوذ الاقتصادي والاستراتيجي.

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى