دولة الامتيازات: حين يُغتال العدل وتُختطف فرص الوطن

دولة الامتيازات: حين يُغتال العدل وتُختطف فرص الوطن
ليست أخطر أزمات الأوطان تلك التي تُرى في شوارعها أو تُحصى في ميزانياتها، بل تلك التي تتسلل إلى ضمائرها، حين يصبح العدل قاعدةً للضعفاء واستثناءً للأقوياء، وتتحول المبادئ من موازين ثابتة إلى أثواب تُفصَّل على مقاس المكانة والنفوذ.
في هذه الربوع، لا يبدو التفاوت في تطبيق الأحكام، ولا ازدواجية التعامل مع القضايا العامة، ظاهرةً وليدة اليوم؛ بل إن جذوره تمتد في الذاكرة الاجتماعية إلى أزمنة بعيدة، حين كانت المكانة قادرة على ترجيح كفة، وكان ضعف المرء قد يحرمه من الإنصاف الذي يستحقه. غير أن ما يثير القلق حقًّا هو أن تنتقل هذه الذهنية من أعراف المجتمع إلى مؤسسات الدولة، فتكتسب من سلطتها ما يجعلها أكثر رسوخًا وأشد خطرًا.
فالدولة التي يُفترض أن تنقل المجتمع من حكم المكانة إلى حكم القانون قد تجد نفسها، حين تغيب المعايير الواضحة، تعيد إنتاج الامتيازات القديمة في صور حديثة. تُورَّث الوظائف، وتُوزَّع الصفقات وفق اعتبارات لا صلة لها دائمًا بالكفاءة، ويصبح القرب من دوائر النفوذ رأسمالًا قد يتقدم على الخبرة والاستحقاق. وهكذا لا تعود الوظيفة العامة مسؤوليةً في خدمة الوطن، بل تتحول، في بعض الممارسات، إلى غنيمة تتنازعها شبكات المصالح.
وليس المقصود هنا أن النبل الاجتماعي عيب، أو أن أبناء الفئات التي عُرفت تاريخيًّا بالمكانة لا يستحقون مواقع المسؤولية؛ فبينهم أصحاب كفاءة ونزاهة، كما أن أبناء الأطراف والفئات الأقل حظًّا قد يبلغون أرفع المراتب بعلمهم وجهدهم. إنما المعيار الذي ينبغي أن يحكم الجميع هو الاستحقاق، لا النسب، ولا المال، ولا النفوذ، ولا حتى الصورة الاجتماعية التي ينسجها الناس حول هذا الشخص أو ذاك.
إن أخطر ما في المحاباة ليس أنها تمنح امتيازًا لفرد وتحجبه عن آخر فحسب، بل أنها تُفسد معنى المنافسة، وتقتل الثقة في المؤسسات، وتدفع الكفاءات إلى الانكفاء أو الرحيل، فيما يتعلم الجيل الجديد أن الطريق إلى النجاح لا يمر بالضرورة عبر العلم والعمل، وإنما قد يختصره اتصالٌ نافذ أو ولاءٌ محسوب. وعندما تصبح هذه القناعة جزءًا من الوعي العام، فإن الخسارة لا تعود خسارة المظلوم وحده، بل خسارة وطنٍ يُقصي بعض طاقاته ويبدد موارده ويؤجل نهضته.
إن الأمم لا تتقدم بمجرد تشييد المباني وتوسيع الطرق، ولا بمجرد رفع الشعارات عن الإصلاح؛ بل تتقدم حين يشعر المواطن أن القانون لا يعرف اسمه ولا قبيلته ولا رصيده، وأن الوظيفة لا تُمنح مكافأةً للولاء، وأن المال العام ليس ملكًا لمن يملك القدرة على الوصول إليه.
لكن إدانة المحاباة، مهما بلغت قوة عباراتها، لن تغير الواقع ما لم تتحول إلى إصلاح عملي. والبداية تكون بإلزام المؤسسات بمعايير معلنة للتعيين والترقية، وإخضاع الصفقات العمومية لمنافسة شفافة ورقابة مستقلة، ونشر نتائج المسابقات وأسباب الاختيار، وفتح قنوات فعالة للتظلم والمساءلة. كما ينبغي مراجعة التعيينات التي تحوم حولها شبهات جدية، وفق إجراءات قانونية عادلة لا تستهدف الأشخاص، بل تتحقق من سلامة المعايير وتكافؤ الفرص.
ولا يقل عن ذلك أهميةً أن تتاح لأبناء الأطراف والمناطق الأقل حظًّا فرص متكافئة في التعليم والتكوين والوصول إلى الوظائف، من دون تحويل الإنصاف إلى محاصصة جديدة أو استبدال امتياز بآخر. فالمطلوب ليس تغيير هوية المستفيدين من النفوذ، بل إخضاع النفوذ نفسه للقانون، وإعادة الاعتبار للكفاءة والنزاهة باعتبارهما شرطين لخدمة الوطن.
إن الإصلاح الحقيقي يبدأ حين تصبح مكافحة المحاباة التزامًا مؤسسيًّا قابلًا للقياس، لا مجرد خطاب موسمي؛ وحين يُحاسَب المسؤول عن قراراته، ويُحمى حق المواطن في المنافسة العادلة، ويستطيع كل صاحب كفاءة أن يطالب بحقه دون أن يبحث أولًا عن صاحب نفوذ يتبناه.
فلا مستقبل لوطن تُختطف فيه الفرص باسم المكانة، ولا استقرار لمجتمع يشعر أبناؤه أن العدالة تُوزَّع بحسب مواقعهم لا بحسب حقوقهم. ان أخطر ما يمكن أن نورثه للأجيال ليس الفقر وحده، بل الاعتقاد بأن الاجتهاد لا يكفي، وأن الأبواب لا تُفتح إلا بالمحاباة. وتلك قناعة إذا استقرت في النفوس، أغلقت أبواب النهضة قبل أن تبدأ.
حمادي أباتي









