7 سنوات من حكم قيس سعيّد.. التضخم والبطالة والدين العام تختبر الوعود الاقتصادية في تونس

كشفت حصيلة اقتصادية نشرتها شبكة الجزيرة عن استمرار التحديات التي تواجه الاقتصاد التونسي بعد نحو سبع سنوات من حكم الرئيس قيس سعيّد، في ظل تراجع القدرة الشرائية، وارتفاع معدلات البطالة في صفوف الشباب، وتزايد أعباء الدين العام، رغم تسجيل تحسن محدود في بعض المؤشرات الاقتصادية.
وأظهرت البيانات أن معدل التضخم في تونس بلغ 5.6% خلال سبتمبر 2026، مقابل 5.4% في أغسطس السابق، فيما ارتفعت أسعار المواد الغذائية والمشروبات بنسبة 8.4% على أساس سنوي، مع تسجيل زيادات ملحوظة في أسعار الدواجن والغلال ولحوم الضأن، الأمر الذي يواصل الضغط على ميزانيات الأسر.
وتعكس هذه الزيادات حجم الصعوبات التي تواجه التونسيين في تلبية احتياجاتهم اليومية، خصوصا في ظل محدودية نمو المداخيل وارتفاع تكاليف المعيشة، إلى جانب تراجع فرص الحصول على التمويل والقروض التي كانت تساعد الأسر على تغطية نفقاتها.
نمو اقتصادي دون انتعاش كافٍ
وعلى صعيد النمو، سجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي ارتفاعا بنسبة 2.3% خلال الربع الثاني من عام 2026، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، فيما بلغت نسبة النمو مقارنة بالربع الأول 1.4%.
غير أن هذه النتائج ظلت دون فرضية النمو البالغة 3.3% التي اعتمدها قانون المالية لعام 2026، ما يعكس استمرار الصعوبات المرتبطة بضعف الاستثمار والإنتاج، ومدى قدرة الاقتصاد على تحويل النمو إلى فرص عمل جديدة وتحسين ملموس في مداخيل المواطنين.
ويرى خبراء اقتصاديون أن اعتماد الدولة المتزايد على الاقتراض الداخلي لتغطية احتياجاتها المالية قد يحد من السيولة المتاحة للقطاع الخاص، ويؤثر في قدرة المؤسسات على تمويل أنشطتها وتوسيع استثماراتها.
البطالة.. التحدي الأكبر أمام الشباب والخريجين
ورغم تراجع معدل البطالة العام إلى 14.9% خلال الربع الثاني من عام 2026، مقابل 15.3% خلال الفترة نفسها من العام السابق، فإن المؤشرات المتعلقة بالشباب وحاملي الشهادات الجامعية لا تزال تعكس وضعا صعبا.
وبحسب بيانات المعهد الوطني للإحصاء، بلغت البطالة في صفوف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاما نحو 35.4%، فيما وصلت إلى 26.6% لدى حاملي شهادات التعليم العالي.
وتبرز هذه الأرقام حجم التحدي الذي تواجهه السلطات التونسية في توفير فرص عمل مستقرة، والحد من بطالة الخريجين، وتعزيز قدرة الاقتصاد على استيعاب الوافدين الجدد إلى سوق العمل.
الدين العام يضيّق هامش التحرك المالي
وفي ما يتعلق بالمالية العامة، ارتفعت نسبة الدين العام التونسي من 67.8% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2019 إلى 84.9% عام 2024، قبل أن تتراجع إلى 82.1% عام 2025.
ويقدّر قانون المالية لعام 2026 نسبة الدين بنحو 83.4% من الناتج المحلي الإجمالي، في مؤشر على استمرار الضغوط التي تواجهها المالية العمومية، في ظل الحاجة إلى تمويل الأجور والنفقات الاجتماعية والدعم والاستثمارات الحكومية.
وتزيد أعباء خدمة الدين من صعوبة الموازنة بين الالتزامات المالية للدولة ومتطلبات التنمية الاقتصادية، خصوصا مع ارتفاع تكاليف الطاقة والواردات، وتزايد الاحتياجات التمويلية.
فاتورة الطاقة تضغط على الميزانية
وزادت تقلبات أسعار الطاقة العالمية من الضغوط على الاقتصاد التونسي، بعدما تجاوز متوسط سعر برميل النفط 92 دولارا خلال النصف الأول من عام 2026، مقابل 63.3 دولارا للبرميل في الفرضيات التي بُني عليها قانون المالية.
وبلغت نفقات دعم المحروقات نحو 2.427 مليار دينار خلال الأشهر الستة الأولى من العام، أي ما يعادل 48.6% من الاعتمادات المخصصة لهذا البند في الميزانية السنوية.
وفي المقابل، بلغت نفقات الاستثمار العمومي خلال الفترة نفسها نحو 1.665 مليار دينار، ما يبرز حجم التحديات المرتبطة بتوزيع الموارد المالية بين دعم الطاقة وتمويل المشاريع التنموية.
ويحذر خبراء من أن استمرار ارتفاع أسعار الواردات قد يزيد الضغط على احتياطي العملة الأجنبية وسعر صرف الدينار التونسي، خصوصا في ظل الحاجة إلى تعزيز الإنتاج المحلي وتحسين أداء الصادرات.
سياسات مكافحة الاحتكار تحت المجهر
وشكلت مكافحة الاحتكار والمضاربة أحد أبرز محاور الخطاب الاقتصادي للرئيس قيس سعيّد، الذي قدم هذه الإجراءات باعتبارها وسيلة لحماية المستهلك وتحقيق العدالة الاجتماعية.
لكن هذه السياسات واجهت انتقادات من خبراء اعتبروا أن بعض الإجراءات الرقابية لم تميز بصورة كافية بين التخزين بهدف المضاربة والتخزين الضروري لضمان استمرارية التزويد بالمواد الأساسية.
ويرى منتقدون أن اضطراب منظومات التخزين والتوزيع، في غياب بدائل فعالة، قد يؤدي إلى نقص بعض المنتجات في الأسواق، بدلا من تحقيق انخفاض مستدام في الأسعار.
بين إرث الأزمات وخيارات السلطة
وفي مقابل الانتقادات الموجهة إلى الأداء الاقتصادي للحكومة، يدافع مؤيدون للرئيس التونسي عن حصيلة السنوات الماضية، معتبرين أن قيس سعيّد تسلم البلاد في ظل اختلالات سياسية واقتصادية متراكمة، وأن معالجة هذه المشكلات تعقدت بفعل الأزمات الداخلية والتقلبات الدولية.
ويشير هذا الطرح إلى أن تقييم الوضع الاقتصادي لا يمكن فصله عن تداعيات جائحة كورونا، وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، والتوترات الجيوسياسية التي أثرت في الأسواق العالمية.
غير أن استمرار الضغوط على القدرة الشرائية، وارتفاع بطالة الشباب والخريجين، وتزايد الاحتياجات التمويلية للدولة، يطرح تساؤلات بشأن مدى نجاح السياسات المتبعة في تحقيق تحسن ملموس في الظروف المعيشية للتونسيين.
وبعد نحو سبع سنوات من حكم قيس سعيّد، تظهر المؤشرات أن الاقتصاد التونسي حقق بعض التحسن في معدلات النمو والبطالة العامة، لكنه لا يزال يواجه تحديات هيكلية تتعلق بالاستثمار والإنتاج والتشغيل واستدامة المالية العامة.
وتبقى قدرة السلطات على تحقيق نمو أكثر استدامة، وتوفير فرص العمل، وتحسين المداخيل، والحد من أعباء الدين العام، من أبرز المعايير التي ستحدد مدى نجاح السياسات الاقتصادية في الاستجابة لتطلعات التونسيين.









