صحة

وفاة باحثة روسية تثير المخاوف من الطاعون الرئوي.. هل يمكن أن يتحول إلى وباء؟

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

أعادت وفاة شابة تعمل في مؤسسة روسية متخصصة في مكافحة الطاعون تسليط الضوء على أحد أكثر الأمراض إثارة للخوف عبر التاريخ، بعدما دفعت الحادثة السلطات الصحية في منطقة إيركوتسك بسيبيريا إلى مراقبة نحو 200 شخص واتخاذ تدابير احترازية واسعة.

ورغم ما يثيره اسم الطاعون من ذكريات الأوبئة التاريخية، فإن السؤال الأبرز يتمثل في مدى إمكانية تحول حالة واحدة يُشتبه في ارتباطها بالطاعون الرئوي إلى تفشٍّ واسع النطاق، أو وباء يتجاوز حدود روسيا.

وتشير المعطيات المتاحة إلى أن هذا السيناريو لا يبدو مرجحا في الوقت الراهن، لكن طبيعة المرض وسرعة تطوره تفرضان التعامل مع الحادثة بحذر شديد.

ماذا حدث في إيركوتسك؟

أكد أليكسي تسييدينوف، رئيس جمهورية بورياتيا المجاورة لمنطقة إيركوتسك، وفاة امرأة يُحتمل أن تكون وفاتها مرتبطة بالطاعون، فيما تحدثت السلطات الصحية في إيركوتسك في البداية عن حالة يُشتبه في إصابتها بعدوى شديدة الخطورة، من دون إعلان التشخيص النهائي بصورة رسمية.

وأفادت تقارير إعلامية روسية ودولية بأن المتوفاة كانت تعمل في معهد إيركوتسك لمكافحة الطاعون، وكان عمرها يتراوح بين 27 و28 عاما. وأشارت هذه التقارير إلى احتمال تعرضها للبكتيريا داخل المختبر، عقب حادث يتعلق بأنبوب اختبار يحتوي على بكتيريا حية، إلا أن السلطات الصحية الروسية لم تقدم حتى الآن تفاصيل رسمية كاملة تؤكد ملابسات الواقعة.

ونُقلت المرأة إلى المستشفى في مدينة شيليخوف القريبة من إيركوتسك، بعدما ظهرت عليها أعراض تنفسية حادة. وتدهورت حالتها لاحقا، ما استدعى وضعها على جهاز التنفس الاصطناعي قبل وفاتها.

وعقب الحادثة، وضعت السلطات 197 شخصا يُعتقد أنهم خالطوا المريضة تحت المراقبة الطبية أو العزل الاحترازي، كما فرضت حجرا مؤقتا على أحد أقسام المستشفى.

وقال حاكم إيركوتسك، إيغور كوبزيف، إن الأشخاص الذين جرى تحديدهم بوصفهم مخالطين لا تظهر عليهم حاليا أعراض المرض، وإن الفحوص المخبرية الأولية جاءت سلبية. وبدأت الجهات المختصة كذلك إجراءات تتبع المخالطين والتحقيق في ظروف الحادثة.

المرض الذي غيّر مسار التاريخ

الطاعون ليس مرضا فيروسيا، بل عدوى بكتيرية تسببها بكتيريا تُعرف باسم Yersinia pestis، وتوجد بصورة طبيعية لدى بعض القوارض الصغيرة والبراغيث التي تعيش عليها.

وتنتقل العدوى إلى الإنسان بطرق مختلفة، من بينها لدغات البراغيث المصابة، أو ملامسة أنسجة وسوائل حيوانات أو أشخاص مصابين، أو استنشاق الجزيئات التنفسية الصادرة عن شخص مصاب بالطاعون الرئوي.

ويُصنَّف المرض إلى ثلاثة أشكال رئيسية: الطاعون الدبلي، الذي يتسبب عادة في تضخم مؤلم للعقد اللمفاوية، والطاعون الإنتاني الذي تنتشر فيه البكتيريا عبر الدم، والطاعون الرئوي الذي تصيب فيه العدوى الرئتين.

ويُعد الشكل الرئوي الأكثر إثارة للقلق من ناحية انتقال العدوى بين البشر، إذ يمكن أن ينتقل مباشرة من شخص إلى آخر عبر الجزيئات التنفسية التي يطلقها المصاب عند السعال. ولهذا، قد يؤدي المرض، في ظروف معينة، إلى تفشيات خطيرة إذا لم تُكتشف الحالات بسرعة ولم تُتخذ التدابير الوقائية اللازمة.

ساعات قليلة قد تصنع الفارق

يتميز الطاعون الرئوي بسرعة تطوره، إذ تتراوح فترة حضانته غالبا بين يوم وثلاثة أيام. وقد تبدأ الأعراض بالحمى والصداع والضعف الشديد، ثم تتطور إلى ألم في الصدر وسعال وصعوبة في التنفس.

وفي حال عدم بدء العلاج مبكرا، يمكن أن ترتفع احتمالات الوفاة بصورة كبيرة.

وتوضح البيانات الصحية أن معدلات الوفاة في أشكال الطاعون المختلفة قد تتراوح بين 30% و100% عند غياب العلاج، فيما تصبح الإصابات الرئوية والإنتانية شديدة الخطورة إذا تأخر التدخل الطبي.

لكن ذلك لا يعني أن الإصابة بالطاعون اليوم تحمل المصير نفسه الذي ارتبط به المرض في القرون الماضية. فالطاعون عدوى بكتيرية يمكن علاجها بالمضادات الحيوية، ويُعد التشخيص السريع والبدء المبكر بالعلاج عاملين أساسيين في إنقاذ حياة المصابين.

هل ينتقل الطاعون بسهولة مثل الإنفلونزا وكوفيد-19؟

تتمثل إحدى النقاط المهمة في التمييز بين خطورة الطاعون الرئوي وقدرته الفعلية على الانتشار. فعلى الرغم من إمكانية انتقاله بين البشر، فإن انتقاله لا يحدث عادة بالسهولة نفسها التي تتميز بها أمراض تنفسية شديدة العدوى، مثل الحصبة والإنفلونزا وكوفيد-19.

وتشير مراجعات علمية إلى أن انتقال الطاعون الرئوي بين الأشخاص يرتبط غالبا بالمخالطة القريبة لمريض مصاب يسعل، ولا سيما خلال المراحل المتقدمة من المرض. كما أسهمت إجراءات مثل الحد من المخالطة المباشرة واستخدام وسائل حماية الجهاز التنفسي في احتواء سلاسل انتقال العدوى في تفشيات سابقة.

وأظهرت مراجعة تناولت التاريخ الطبيعي لبكتيريا الطاعون أن تحليل ثماني فاشيات موثقة للطاعون الرئوي أفضى إلى تقدير متوسط يبلغ نحو 1.3 إصابة ثانوية لكل مريض، مع وجود اختلافات كبيرة بحسب الظروف والبيئات التي وقعت فيها تلك الفاشيات.

كما وثقت المراجعة حالات في الصين خضع خلالها أكثر من 200 شخص خالطوا مرضى للطاعون للمراقبة، من دون تسجيل إصابات ثانوية بينهم بعد تطبيق إجراءات الحجر والمتابعة. وتشير هذه النتائج إلى أن انتقال العدوى يرتبط في كثير من الحالات بالمخالطة القريبة والمباشرة لشخص مصاب يسعل.

ولا تعني هذه المعطيات استحالة حدوث تفشيات واسعة، لكنها تساعد في تفسير سبب عدم تحول معظم حالات الطاعون المسجلة في العصر الحديث إلى موجات وبائية كبيرة.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى