كتاب جديد لمحمد نعيم فرحات يدرس تحولات الوعي والثقافة الفلسطينية في المنفى

“لا تحتاج التجربة الفلسطينية المعاصرة في المنفى لأي دليل، عدا ما سبّبته من هول، كي توصف بأنها من أكثر تجارب العصر الإنسانية قسوة وفرادة، سواء من حيث أسبابها وخلفياتها ودلالاتها وتداعياتها، أو من حيث آثارها وما خلّفته على مختلف الأصعدة”.
بهذه الكلمات التي تختزل قسوة تجربة الشتات الفلسطيني، يستهل الأكاديمي والأمين العام للجمعية العربية لعلم الاجتماع محمد نعيم فرحات كتابه الجديد «أوراق متطايرة/ الفلسطينيون والمنفى: دراسة في بنية الوعي والثقافة»، الصادر عن دار العائدون للنشر.
ومنذ مقدمة الكتاب، يبرز انشغال فرحات بمستقبل الجيل الثالث من أجيال المنفى الفلسطيني، وقدرته على التعامل مع الإرث الثقيل للقضية الوطنية. ويؤكد ضرورة إعادة النظر في المأزق البنيوي الذي يواجه هذا الجيل، بهدف مساعدته على بناء وعي فاعل، وتشكيل رؤيته وتنظيم إدراكه بما يتيح له بلورة مشروعه وتطوير طاقاته وإرادته.
وانطلاقا من هذا المنظور، يتخذ المؤلف من بنية الوعي والثقافة والمنفى والسياسة محاور أساسية لدراسته النقدية، مستندا إلى مقاربة سوسيولوجية منفتحة تسعى إلى فهم التحولات التي أصابت التجربة الفلسطينية عبر مراحلها التاريخية المختلفة.
المنفى.. بين التدمير وإعادة بناء الهوية
يشكل المنفى المفهوم المحوري في دراسة فرحات، بوصفه تجربة إنسانية وتاريخية تعيد صياغة علاقة الفرد بذاته وبالمكان. فهو يرتبط بالاقتلاع وفقدان الاستقرار والانفصال عن المجال الذي يمنح الوجود معناه، لكنه لا يقتصر على جوانبه المأساوية، إذ يمكن أن يتحول أيضا إلى مصدر للإبداع والمقاومة وإنتاج أشكال جديدة من الهوية.
وتقتضي دراسة المنفى، وفق هذا التصور، الجمع بين آثاره المدمرة وقدرته على دفع الإنسان إلى إعادة بناء ذاته، بما يجعله مدخلا لفهم تشكل الوعي والثقافة الفلسطينية في مواجهة الاقتلاع.
وفي بحثه جذور المأساة، ينطلق فرحات من الدور الأساسي للمكان في تشكيل وعي الجماعة، إذ مثّلت فلسطين بالنسبة إلى الفلسطينيين شرطا وجوديا تشكلت داخله علاقات الانتماء والرواية الجماعية. كما اكتسبت خصوصيتها من تداخل أبعادها الجغرافية والدينية والرمزية، وتحولها عبر التاريخ إلى ساحة لصراعات تتجاوز حدودها، وهو ما أسهم في تكوين ما يسميه المؤلف «حس التحسب» من فقدان الصلة بها.
ويرى الباحث أن اقتلاع الفلسطينيين عام 1948 ارتبط بمخيال غربي وصهيوني أسهم في إنتاج المنفى وترسيخه. لكنه يشير كذلك إلى عوامل داخلية عمّقت المأساة، من بينها ضعف البنى السياسية والتنظيمية، والانقطاعات في مسار المقاومة، والقصور في تقدير حجم الخطر، إلى جانب تأثير البيئة العربية.
ومن تفاعل هذه العوامل تشكلت تجربة المنفى الفلسطيني، لتبرز واحدة من أكثر إشكالاتها إيلاما، وهي ضعف القدرة على قراءة التجارب السابقة قراءة نقدية واستخلاص الدروس منها.
اقتلاع الجغرافيا وولادة «مجتمع العذاب»
أفضت نكبة عام 1948 إلى فقدان الفلسطينيين أرضهم ومكانهم، وبدأت البنى النفسية والاجتماعية والسياسية لمجتمعهم تتعرض للتشظي، ليتحول مجتمع مترابط إلى شتات موزع في أماكن متعددة.
ويصف فرحات هذا التحول بأنه أحدث انفصالا تاريخيا عميقا بين الفلسطينيين وفلسطين، وبينهم وبين زمنهم وتاريخهم ووعيهم. ويستحضر في هذا السياق توصيف المفكر إدوارد سعيد للمجتمع الفلسطيني باعتباره «مجتمعا تاريخيا من العذاب».
ولأن المكان يمثل عنصرا أساسيا في تكوين الهوية الفلسطينية، لم يكن الشتات مجرد انتقال جغرافي، بل شكّل فقدانا للدار بمعناها الوجودي، وأحدث صدمة في الوعي الجماعي. وفي الوقت نفسه، أتاح هذا الواقع للخيال والثقافة أن يتحولا إلى وسيلتين لمقاومة المحو والحفاظ على الهوية.
ولا تكتمل قراءة الشتات، في نظر فرحات، من دون تفكيك صورة الآخر والخصم. ولهذا يستعرض تاريخ تشكل الصهيونية، بوصفها حركة تأثرت بالقوميات الأوروبية، ثم استفادت من تحالفاتها مع الغرب وصولا إلى إقامة دولة استندت إلى رواية تاريخية وأسطورية متخيلة.
ويرى المؤلف أن الممارسات الصهيونية قامت على الإنكار والترحيل والإقصاء، مستندة إلى تصورات أيديولوجية، من بينها فكرة «شعب الله المختار». وقد أفضى ذلك إلى مفارقة تاريخية تمثلت في اقتلاع شعب آمن وتحويله إلى مجتمع منفى، في مقابل تمكين مجتمع الشتات اليهودي من إقامة دولة تمارس الإقصاء والاضطهاد بحق الفلسطينيين.
ويستحضر فرحات في هذا السياق قراءة إدوارد سعيد لهذه المفارقة، التي وصفها بأنها «قلب للتاريخ يدعو للفزع».
كيف تحولت العزلة إلى طاقة للمقاومة؟
تكشف المحطات التاريخية الممتدة من خمسينيات القرن الماضي إلى منتصف الستينيات عن الكيفية التي أعاد بها الفلسطينيون تشكيل جماعتهم بعد النكبة، في ظل عاملين متلازمين هما الاحتلال والمنفى.
فقد فصل الاحتلال الفلسطينيين عن أرضهم، بينما عزز المنفى هذا الانفصال عبر إغلاق فرص العودة. ومن تفاعل العاملين نشأت حالة حصار لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد إلى السياسة والثقافة والمكان وإمكانات الاندماج الاجتماعي.
ويستخدم فرحات مفهوم «الحصار» لفهم طبيعة الوعي الفلسطيني واستجاباته، إذ أسهم انغلاق أفق الحياة في دفع الجماعة إلى ابتكار وسائل جديدة للحفاظ على وجودها واستمرارها.
وتكمن المفارقة في أن الحصار الذي استهدف إضعاف الفلسطينيين ودفعهم إلى التلاشي، أسهم في الوقت نفسه في توليد طاقة المقاومة. فالمنفى، الذي مثّل مخرجا اضطراريا من حصار المكان، تحول بدوره إلى فضاء محاصر اختبر فيه الفلسطينيون وسائل متعددة للبقاء، شملت الجوانب السكانية والتعليمية والاجتماعية، قبل أن تتبلور لاحقا في صورة مقاومة سياسية منظمة.
اتساع الفجوة بين الثقافة والسياسة
يرصد الكتاب جدلية أخرى في التجربة الفلسطينية، تتمثل في اتساع المسافة بين الثقافة التي أسهمت في إعادة إنتاج الوعي الجماعي، والبنية السياسية التي لم تتمكن دائما من تمثيل هذه الطاقة أو توظيفها.
ويبرز هنا التحول الذي شهده الجيل الفلسطيني الثاني، إذ انتقل من حالة الحنين إلى الوطن التي ميزت تجربة الآباء، إلى مستوى أكثر فاعلية يسعى إلى تجسيد أهداف المخيال الفلسطيني، وفي مقدمتها التحرير والعودة. وكانت الثقافة إحدى أبرز الأدوات التي عبّر من خلالها هذا الجيل عن تطلعاته.
وتمكن أدب المنفى من تحويل فلسطين من مكان مفقود إلى فكرة حاضرة وقابلة للتجسيد، لتصبح الثقافة أحد المرتكزات التي أسهمت في تهيئة البيئة للمقاومة المسلحة التي تركز نشاطها في المنفى خلال منتصف الستينيات.
لكن المسار التاريخي شهد لاحقا تحولا في موازين التأثير، إذ تراجع حضور الثقافة أمام السلاح، ثم تقدمت مفاهيم السلطة والدولة على حساب الهوية والتحرر، ما أسهم في نشوء أزمة في التمثيل السياسي.
وشكلت الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 محطة كاشفة لهذه التناقضات، بعدما استعاد المجتمع الفلسطيني في الداخل قدرته على الفعل والمبادرة، في حين واجهت القيادة الموجودة في المنفى صعوبة في تحويل تلك الطاقة إلى إنجاز سياسي مستدام.
ويشير فرحات إلى أن احتكار المقاومة للتمثيل السياسي كشف عن فجوة بين اتساع الطموحات الفلسطينية والقدرة على تحويلها إلى واقع. ومع تراجع شرعيتها التاريخية، انعكس هذا الاختلال على تماسك التجربة الوطنية، ودفعها إلى مسارات اتسمت بالاضطراب.
وعلى الرغم من تراجع الدور السياسي لجماعات المنفى بعد اتفاق أوسلو عام 1993، لا يستبعد الباحث استمرار قدرتها على أداء دور محوري في إعادة بناء الرؤية والثقافة الفلسطينيتين، بما يعزز صلابة المشروع الوطني.
الوعي في مواجهة الواقع والروايات المتصارعة
ينتقل فرحات من تحليل الوقائع السياسية إلى مستوى أعمق يتناول الصراع بين روايتين تسعيان إلى إعادة تشكيل التاريخ وتحديد معنى فلسطين ومكانتها. وفي هذا السياق، يرى أن إنكار كل طرف للآخر لم يؤد إلى محوه، بل أسهم في ترسيخ حضوره داخل وعي الطرف المقابل.
وهكذا أصبح الفلسطيني جزءا من عملية تشكيل الوعي الإسرائيلي، كما غدا الإسرائيلي عنصرا في البنية التي أسهمت في صياغة الوعي الفلسطيني.
ويشير المؤلف إلى مفارقة تتمثل في أن الأيديولوجيا الصهيونية تفرض قيودا على السياسة الإسرائيلية، في حين تعوق الممارسة السياسية الفلسطينية أحيانا قدرة الثقافة على التأثير والفعل. ومن هذا المنطلق، لا تمثل التسوية السياسية بالضرورة تجاوزا لتعقيدات الصراع، ما لم تقترن بتشكل وعي جديد يعترف بالحقوق؛ وإلا فقد تعيد إنتاج الأزمة ضمن شروط مختلفة.
ويدعو فرحات، من موقع النقد الداخلي للتجربة الفلسطينية، إلى مراجعة شاملة للذات والخصم والعالم، بما يسمح بفهم أعمق لأسباب المأزق الراهن والبحث عن إمكانات تجاوزه.
ويختتم الكتاب بالتأكيد أن تجربة المنفى الفلسطيني لم تبلغ نهايتها، وأن الوعي الذي يفترض أن يتشكل لدى الفلسطينيين ولدى الآخرين بفعل هذه التجربة لم يكتمل بعد. ولذلك ستظل الأسئلة التي تطرحها مفتوحة أمام الزمن وجميع المعنيين بالقضية الفلسطينية، في ظل استمرار آثار الاقتلاع وتداعياته على الهوية والثقافة والمشروع الوطني.








