ثقافة

بين إفلاس النخب وأزمة الدولة: لماذا أصبحت دولة القانون أولوية قبل الديمقراطية؟

منذ استقلال موريتانيا، ظل مشروع بناء الدولة الوطنية يواجه تحديات معقدة ومتداخلة، بعضها مرتبط بظروف النشأة، وبعضها الآخر نتاج خيارات سياسية واجتماعية واقتصادية تراكمت عبر العقود. ورغم أن الدولة استطاعت البقاء والصمود أمام اختبارات صعبة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: لماذا لم تنجح النخب السياسية والفكرية في تحويل هذا الصمود إلى مشروع نهضوي قادر على إطلاق طاقات المجتمع وبناء دولة عصرية قوية؟

لقد ولدت الدولة الموريتانية في ظروف استثنائية، أشبه بمولود خداج احتاج إلى رعاية متواصلة حتى يتمكن من الوقوف على قدميه. وبفضل حكمة جيل التأسيس وواقعيته السياسية، أمكن تجاوز تحديات الوجود الأولى، وترسيخ كيان الدولة في محيط إقليمي لم يكن خالياً من الأطماع والاضطرابات. غير أن عملية البناء واجهت منذ بدايتها معوقات ذاتية وموضوعية، تمثلت في ضعف الكفاءات الوطنية، وهشاشة البنية الاقتصادية، وغياب الوعي المدني، وصعوبة الانتقال من الولاءات التقليدية إلى مفهوم الدولة الحديثة.

ثم جاءت حرب الصحراء وما تبعها من اضطرابات سياسية لتدفع البلاد نحو مرحلة طويلة من الحكم العسكري، حيث أصبحت السلطة محور الصراع الأساسي. وتعاقبت الانقلابات وتعددت مراكز النفوذ، بينما ظلت التنمية وبناء المؤسسات رهينتي التجاذبات السياسية والصراعات داخل دوائر الحكم.

ومع بداية التعددية السياسية مطلع التسعينيات، اعتقد كثيرون أن البلاد دخلت مرحلة جديدة من البناء الديمقراطي. فقد خرجت الحركات السياسية من العمل السري إلى الفضاء العلني، وبدأت المنافسة الحزبية تأخذ مكانها في المشهد الوطني. لكن التجربة كشفت مع مرور الوقت أن كثيراً من القوى السياسية لم تستطع التحرر من منطق المصالح الضيقة، وأن جزءاً من النخب التي رفعت شعارات التغيير سرعان ما اندمج في منظومة الامتيازات التي كان ينتقدها.

وبعد انتخابات 2019 على وجه الخصوص، سقطت أوهام كثيرة، وظهرت حقائق لم يعد بالإمكان تجاهلها. فقد تبين أن جانباً مهماً من الخطاب السياسي لم يكن قائماً على مشروع وطني متكامل بقدر ما كان وسيلة لتحسين المواقع والتفاوض حول المصالح. وتراجعت المبادئ أمام البراغماتية، وبهتت الحدود بين الموالاة والمعارضة، حتى أصبح المواطن البسيط عاجزاً عن معرفة الفارق بينهما إلا من خلال حجم المكاسب التي يجنيها هذا الطرف أو ذاك.

إن أخطر ما أفرزته هذه المرحلة هو انهيار الثقة بين المجتمع ونخبه السياسية والفكرية. فحين يفقد المواطن ثقته في صدق الخطاب السياسي، تتحول الحياة العامة إلى سوق للمزايدات، وتصبح القضايا الوطنية الكبرى مجرد أوراق في بورصة سياسية موسمية، تُرفع عند الحاجة وتُطوى عند تحقق المصالح.

ولعل ما يزيد المشهد تعقيداً أن بعض القضايا العادلة والمطالب المشروعة تحولت هي الأخرى إلى أدوات للاستثمار السياسي. فبدلاً من أن تكون وسيلة لإصلاح الاختلالات، أصبحت في أحيان كثيرة جسوراً للعبور إلى المناصب والامتيازات. وهكذا وجد كثير من أصحاب النوايا الحسنة أنفسهم أمام واقع يكرس الإحباط ويغذي اليأس.

غير أن الخطأ الأكبر الذي وقعت فيه النخب السياسية، سواء في السلطة أو المعارضة، يتمثل في اعتقادها أن الديمقراطية يمكن أن تنشأ بقرارات سياسية أو عبر انتخابات دورية فقط، دون توفير شروطها الاجتماعية والاقتصادية والمؤسسية.

فالديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع، بل هي ثمرة بيئة اجتماعية متوازنة ومؤسسات قوية وقانون نافذ على الجميع. والتجارب الإنسانية تثبت أن الطبقة الوسطى هي الحاضنة الطبيعية للديمقراطية، لأنها الفئة الأكثر تمسكاً بالاستقرار والأكثر حرصاً على سيادة القانون وحماية المؤسسات.

أما في المجتمعات التي تغيب فيها الطبقة الوسطى أو تضعف، فإن الحياة السياسية تتحول غالباً إلى تنافس بين أصحاب النفوذ والثروة من جهة، والفئات الهشة المحتاجة من جهة أخرى، فتفقد العملية الديمقراطية مضمونها الحقيقي وتصبح عرضة للتأثيرات المالية والقبلية والفئوية.

ولهذا فإن الأولوية الوطنية اليوم لا ينبغي أن تكون مجرد البحث عن مزيد من الشعارات الديمقراطية، بل العمل الجاد على بناء دولة القانون. فهناك فرق جوهري بين دولة القانون والدولة الديمقراطية. إذ يمكن إقامة دولة قانون قبل اكتمال البناء الديمقراطي، لكن من الصعب أن تستمر الديمقراطية وتترسخ في غياب دولة القانون.

دولة القانون هي الدولة التي يخضع فيها الجميع للقواعد نفسها، فلا امتياز لفرد بسبب قربه من السلطة، ولا حصانة لفاسد بسبب نفوذه، ولا ظلم لمواطن بسبب ضعفه. وهي الدولة التي يشعر فيها المستثمر بالأمان، والموظف بالإنصاف، والقاضي بالاستقلال، والمعارض بحرية الرأي، والمواطن العادي بالكرامة والمساواة.

وعندما تستقر دولة القانون، وتُحارب الرشوة والمحسوبية، وتُفتح أبواب الفرص على أساس الكفاءة، وتنمو الأنشطة الاقتصادية في بيئة عادلة وشفافة، تبدأ الطبقة الوسطى بالتشكل تدريجياً. وعندها فقط يصبح المجتمع أكثر قدرة على إنتاج ديمقراطية حقيقية ومستقرة، لأن المواطن يتحرر من ضغوط الحاجة والخوف ويصبح أكثر استقلالية في قراره السياسي.

إن معركة موريتانيا الحقيقية ليست معركة أشخاص ولا أحزاب، بل هي معركة بناء دولة عادلة ومجتمع واعٍ. وهي معركة لا يمكن أن تنتصر فيها السلطة وحدها، ولا المعارضة وحدها، بل تحتاج إلى اصطفاف وطني واسع بين جميع القوى الحية في المجتمع لمواجهة الفساد والمحسوبية وإهدار المال العام وتراجع التعليم وضعف المؤسسات.

إن النخبة الوطنية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بمراجعة عميقة للذات، والانتقال من ثقافة البحث عن المواقع إلى ثقافة بناء الدولة، ومن منطق المكاسب الآنية إلى منطق المصالح الوطنية الكبرى. فالأوطان لا تبنى بالولاءات العابرة، وإنما تبنى بالوعي والمسؤولية والقدرة على التضحية من أجل المستقبل.

ويبقى الأمل قائماً ما دامت هناك إرادة للإصلاح، وما دام في هذا الوطن رجال ونساء يؤمنون بأن مستقبل موريتانيا أكبر من الحسابات الضيقة وأوسع من المصالح الفردية.

فالله سبحانه وتعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، والتغيير الحقيقي يبدأ من إصلاح الفكر قبل إصلاح المؤسسات، ومن بناء الإنسان قبل بناء العمران.

حمادي سيدي محمد آباتي

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى