مؤتمر ألاك 1958.. حين اجتمعت موريتانيا على صناعة الدولة

ألاك.. المدينة التي احتضنت ميلاد الإجماع الوطني
في تاريخ الشعوب، توجد لحظات نادرة تتجاوز حدود الزمن، لتتحول إلى محطات مؤسسة للوعي الوطني والذاكرة الجماعية. وفي تاريخ موريتانيا الحديثة، يظل مؤتمر ألاك سنة 1958 واحدًا من تلك المنعطفات الكبرى التي أعادت رسم ملامح البلاد السياسية والاجتماعية، ومهدت لقيام الدولة الوطنية الحديثة.
ففي مدينة ألاك، الهادئة بطبعها، اجتمعت آنذاك نخبة موريتانيا التقليدية والسياسية والروحية، في لحظة كانت المنطقة كلها تعيش مخاض التحرر من الاستعمار، بينما كانت موريتانيا تبحث عن طريقها نحو تثبيت الكيان الوطني وصناعة مشروع الدولة المستقلة.
لم يكن المؤتمر مجرد تجمع سياسي عابر، بل كان أشبه بمنتدى وطني جامع، اختلطت فيه الرؤية السياسية بالحكمة الاجتماعية، والتقت فيه الإرادات القادمة من مختلف جهات البلاد حول فكرة مركزية واحدة: موريتانيا الدولة.
المختار ولد داداه.. مهندس التوافق الوطني
في قلب تلك اللحظة التاريخية، برز اسم الرئيس المؤسس المختار ولد داداه، بوصفه أحد أبرز العقول السياسية التي أدركت مبكرًا أن نجاح مشروع الدولة الموريتانية لن يتحقق إلا عبر التوافق الوطني الواسع.




لقد فهم ولد داداه طبيعة المجتمع الموريتاني، وتعقيداته القبلية والجهوية، ولذلك تعامل مع مؤتمر ألاك باعتباره فرصة تاريخية لتقريب النخب والزعامات التقليدية والسياسية حول مشروع الاستقلال والوحدة الوطنية.
وكان الرجل يدرك أن بناء الدولة لا يتم فقط عبر المؤسسات الإدارية، بل يبدأ أولًا من صناعة الثقة الوطنية، وهو ما منح المؤتمر بعدًا سياسيًا وتاريخيًا بالغ الأهمية.
“أجيجبه”.. القبيلة التي دخلت التاريخ من بوابة التنظيم الوطني
وعندما يُذكر مؤتمر ألاك، يبرز بقوة الدور المحوري الذي لعبته مجموعة “أجيجبه”، التي تحولت في تلك اللحظة إلى خلية وطنية متكاملة سخّرت إمكاناتها الاجتماعية والبشرية لإنجاح المؤتمر.
لقد قبل الوجيه والوزير الراحل معروف الشيخ عبد الله احتضان المؤتمر دون تردد، رغم ما كان يتطلبه ذلك من أعباء مالية وتنظيمية ضخمة في زمن شديد القسوة من حيث الإمكانات والوسائل.
وتقول الروايات المتداولة إن الرجل بادر منذ اللحظة الأولى إلى التنسيق مع مختلف أفراد وأفخاذ القبيلة، التي أظهرت بدورها جاهزية استثنائية للمشاركة في صناعة الحدث التاريخي.
ولم يكن ذلك الاستعداد مجرد موقف رمزي، بل تُرجم عمليًا إلى تنظيم دقيق، واستقبال واسع للوفود، وتوفير وسائل الإقامة والإعاشة والتنقل، بصورة أبهرت الحاضرين والمعتمرين القادمين إلى ألاك من مختلف جهات البلاد وخارجها.
وفي زمن كانت فيه الطرق شبه منعدمة، ووسائل النقل محدودة، والاتصالات بدائية، بدا نجاح المؤتمر في حد ذاته إنجازًا وطنيًا لافتًا، يعكس حجم التعبئة الاجتماعية التي رافقت الحدث.
حضور وطني واسع.. من الأمراء إلى العلماء والوجهاء
وقد عرف مؤتمر ألاك حضورًا وطنيًا غير مسبوق، حيث توافدت إليه شخصيات سياسية وتقليدية ودينية من مختلف مناطق البلاد.
ومن أبرز الحاضرين الأمير عبد الرحمن ولد اسويد أحمد، إلى جانب أمراء ووجهاء وأعيان قدموا من آدرار والحوض الشرقي ومناطق أخرى عديدة، في صورة عكست حجم الاهتمام الوطني بالمؤتمر، والإدراك الجماعي لأهمية المرحلة التاريخية التي تمر بها البلاد.
كما شارك في المؤتمر علماء وشخصيات اجتماعية نافذة، إضافة إلى نخب سياسية وإدارية كانت تشكل آنذاك ملامح الجيل الأول للدولة الموريتانية الحديثة.
لقد كان المؤتمر أشبه بلوحة وطنية جامعة، اجتمعت فيها مختلف مكونات المجتمع الموريتاني حول هدف واحد: تثبيت فكرة الوطن الواحد والمصير المشترك.
مؤتمر ألاك.. أكثر من اجتماع سياسي
تكمن أهمية مؤتمر ألاك في كونه لم يكن مجرد لقاء للنقاش السياسي، بل كان إعلانًا عمليًا عن بداية تشكل الوعي الوطني الموريتاني.
فقد ساهم المؤتمر في:
تعزيز فكرة الدولة الوطنية الجامعة.
توسيع دائرة التأييد لمشروع الاستقلال.
خلق تقارب بين الزعامات التقليدية والنخب السياسية.
ترسيخ ثقافة الحوار بدل الصراع.
دعم مشروع بناء المؤسسات الحديثة.
تثبيت الوحدة الوطنية كخيار استراتيجي.
كما ساعد المؤتمر على تبديد الكثير من المخاوف المرتبطة بمستقبل الكيان الموريتاني، في وقت كانت فيه المنطقة تعيش صراعات حادة حول الهوية والحدود ومشاريع النفوذ.
البعد الاجتماعي للمؤتمر.. حين صنعت القبائل مشروع الدولة
ومن أبرز ما يميز مؤتمر ألاك أنه كشف الدور العميق الذي لعبته البنى الاجتماعية التقليدية في دعم مشروع الدولة الحديثة.
ففي تلك المرحلة، لم تكن الدولة تمتلك بعد مؤسسات قوية أو بنية لوجستية متطورة، ولذلك لعبت القبائل والزعامات التقليدية دورًا محوريًا في احتضان النقاش الوطني وتأمين ظروف نجاحه.
وقد شكلت مساهمة مجموعة “أجيجبه” نموذجًا واضحًا لهذا التداخل الإيجابي بين البعد الاجتماعي والمشروع السياسي الوطني، حيث تحولت القبيلة، في تلك اللحظة، من إطار اجتماعي تقليدي إلى شريك فعلي في صناعة التاريخ الوطني.
لماذا يستحق مؤتمر ألاك إعادة الاعتبار؟
رغم المكانة الرمزية الكبيرة التي يحتلها المؤتمر في تاريخ موريتانيا، فإن كثيرًا من تفاصيله لا تزال بحاجة إلى مزيد من التوثيق والبحث الأكاديمي والإعلامي.
كما يرى مهتمون بالشأن التاريخي أن مؤتمر ألاك يستحق أن يتحول إلى محطة وطنية للتأمل واستحضار ذاكرة التأسيس، بالنظر إلى ما مثّله من لحظة إجماع نادرة ساهمت في وضع اللبنات الأولى للدولة الموريتانية الحديثة.
ويذهب بعض الباحثين إلى أن تخليد المؤتمر بيوم وطني أو مناسبة رسمية سنوية سيكون اعترافًا مستحقًا بجيل التأسيس، وبالدور التاريخي الذي لعبته الشخصيات الوطنية والقبائل والمجموعات الاجتماعية التي احتضنت مشروع الدولة في سنواته الأولى.
خاتمة.. حين تتحدث ألاك باسم التاريخ
بعد أكثر من ستة عقود على انعقاده، لا يزال مؤتمر ألاك حاضرًا في الذاكرة الوطنية باعتباره أحد أهم المنعطفات السياسية والاجتماعية في تاريخ موريتانيا الحديث.
لقد كان مؤتمرًا صنعته الإرادة الوطنية، واحتضنته مدينة آمنت بدورها التاريخي، وساهمت في إنجاحه شخصيات وقوى اجتماعية أدركت مبكرًا أن الأمم لا تُبنى إلا بالتوافق والوحدة وتغليب المصلحة الوطنية.
وهكذا، بقيت ألاك شاهدة على لحظة نادرة اجتمع فيها الموريتانيون، لا حول قبيلة أو جهة أو نفوذ، بل حول فكرة الوطن.
محمد عبد الله محمدن





