رياضة

رحيل «شمشون العرب».. سيرة بطلٍ صنع ذاكرة الترفيه في موريتانيا


أُعلن اليوم عن وفاة زيد صعب، المعروف بلقب «شمشون العرب»، عن عمر ناهز 68 عامًا، بعد صراع طويل مع المرض، لتطوى بذلك صفحة أحد أبرز وجوه العروض الاستعراضية التي طبعت ذاكرة الموريتانيين على مدى عقود.
في ملاعب وساحات نواكشوط، وخاصة في ملعب لكصر، صنع شمشون مشاهد بقيت عالقة في الأذهان. كان يتمدد على الأرض ويطلب من سائق سيارة أن يمر فوق جسده وسط دهشة الجمهور وتصفيق الحاضرين، في عروض خارقة تحولت إلى موعد أسبوعي ينتظره الكبار والصغار، في وقت كانت فيه خيارات الترفيه محدودة.
ولد زيد صعب عام 1958 في محافظة السويداء السورية، ونشأ في أسرة فلاحية امتهنت الزراعة عبر الأجيال. أنهى تعليمه الابتدائي قبل أن يلتحق بمعهد الفنون الرياضية، حيث تخرج ملاكمًا. شارك لاحقًا في بطولات عدة في لبنان وأحرز ألقابًا، غير أنه اختار مغادرة الملاكمة لما رآه فيها من عنف، متجهًا إلى العروض الاستعراضية ذات الطابع الخطر.
بدأ مسيرته الاستعراضية في بيروت، حيث ذاع صيته، ثم انطلق في جولة شملت دول الخليج والشرق الأوسط، قبل أن يصل إلى بلدان المغرب العربي. كانت محطته الأولى ليبيا، تلتها المغرب، ثم موريتانيا التي لم تكن ضمن خطة إقامة دائمة، لكنها تحولت إلى وطن ثانٍ له.
في نواكشوط، تقدم بطلب رسمي للحصول على ترخيص لتنظيم عروضه، ولاقت فكرته قبولًا لدى السلطات، فبدأ بتنظيم حفلات بين العاصمة ونواذيبو. ورغم مغادرته لاحقًا إلى تونس لإحياء عروض هناك، ظل ارتباطه بموريتانيا حاضرًا، ليعود ويستقر فيها لأكثر من ثلاثين عامًا.
مع مرور الوقت، أصبح اسم «شمشون العرب» مرادفًا للقوة والتحدي في مخيلة الأطفال، وتحولت عروضه في الساحات العامة وعلى شاطئ البحر إلى تجمعات جماهيرية، خاصة في عطلات نهاية الأسبوع والأعياد. كانت استعراضاته تمثل متنفسًا لمدينة تبحث عن فضاءات ترفيهية بديلة، فارتبطت صورته بمرحلة كاملة من الحياة الاجتماعية في نواكشوط.
في سنواته الأخيرة، تراجع حضوره بعد أن أنهكه المرض وأضعف جسده، ليغيب تدريجيًا عن الساحات التي طالما ملأها صخبًا وحماسة. ومع إعلان وفاته، استعاد كثير من الموريتانيين ذكرياتهم معه عبر منصات التواصل الاجتماعي، مستحضرين زمنًا كانت فيه عروضه حدثًا استثنائيًا ينتظره الجميع.
برحيل زيد صعب، تفقد موريتانيا أحد رموز مرحلة خاصة من تاريخها الترفيهي الشعبي، شخصية صنعت حضورها خارج الأطر التقليدية للفن، ونجحت في أن تترك أثرًا ممتدًا في ذاكرة جيل كامل.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى