ورقة مساءلة وطنية

لا حوار بلا تفكيك الوهم: من يحكم؟ باسم من؟ ولصالح من؟
لسنا أمام أزمة حكومات، ولا أمام خلافات برامج، بل أمام أزمة بنية حكم قائمة على التحايل، والتدوير، واستدامة الاستثناء. لذلك، فإن أي حوار لا يبدأ بتسمية الأشياء بأسمائها، سيكون مجرد تمرين لغوي لإضاعة الوقت، وإعادة إنتاج الفشل.
أولًا: في السلطة الفعلية لا السلطة المعلَنة
- الكفّ عن الكذب السياسي المنظّم
البلد لا يُحكم بمنطق مدني ديمقراطي، بل يُدار بعقلية ثكنة متخفية. الواجهة مدنية، لكن القرار سياديًا وأمنيًا واقتصاديًا يُصنع خارج المؤسسات المنتخبة. المطلوب ليس تبرير هذا الواقع، بل تفكيكه. - حسم مسألة المؤسسة العسكرية دون لفّ أو دوران
إما جيش جمهوري خاضع للسلطة المدنية، أو نظام وصاية عسكرية مقنّعة. لا منطقة وسطى. استمرار هذا الغموض هو أصل الانسداد السياسي وتآكل الشرعية. - الدستور ليس ديكورًا
حين يُعلَّق الدستور بالممارسة، ويُستدعى فقط لتجميل المشهد أمام الخارج، فنحن أمام سلطة بلا عقد اجتماعي. هذا عبث يجب أن يتوقف.
ثانيًا: في الحوار نفسه: مع من ولماذا؟
- لا معنى لحوار بلا ضمانات
أي حوار لا يضمن:
حياد الإدارة،
تحييد الأجهزة الأمنية،
جدولًا زمنيًا ملزمًا،
هو حوار لتنفيس الضغط لا لتغيير الواقع.
- الأحزاب الموالية شريكة لا شاهدة
من يدافع عن الأمر الواقع، أو يبرّر الفشل، أو يختبئ خلف خطاب “الاستقرار”، لا يملك رفاهية ادّعاء الحياد. الصمت تواطؤ، والمشاركة الشكلية جريمة سياسية. - والمعارضة مطالَبة بالصدق مع نفسها
لا معنى لمعارضة تطالب بالديمقراطية وتتصالح عمليًا مع قواعد الاستثناء، أو تراهن على تسويات فوقية. المعارضة إما قوة تغيير، أو جزء من الديكور.
ثالثًا: في السيادة المختطفة
- القرار الاقتصادي مرتهن
السياسات العمومية لا تُصاغ في الداخل، بل تُملَى من الخارج. تُنفَّذ وصفات الدائنين، بينما يُترك المجتمع يواجه الفقر، والبطالة، وانهيار الخدمات. هذه ليست إصلاحات، بل إدارة فقر منظّم. - الاستقرار الذي يُسوَّق وهمٌ مكلف
ما يُسمّى استقرارًا هو في الحقيقة تجميد للأزمة، وتأجيل للانفجار، ودفع فاتورته للفئات الأضعف. لا استقرار بلا عدالة، ولا أمن بلا كرامة.
رابعًا: في الثروة المنهوبة
- بلد غني وشعب فقير: هذا ليس قدرًا بل جريمة
الثروات الباطنية تُستخرج، لكن لا تُحوَّل إلى تنمية. تُدار في الظل، وتُوزَّع في العلن داخل دوائر مغلقة. هذا نهب مُقنَّع بقوانين مفصّلة على مقاس النفوذ. - لا حديث عن تنمية دون كشف العقود
كل عقد غير منشور، وكل امتياز غير خاضع للرقابة، هو اعتداء مباشر على حق الشعب في ثروته.
خامسًا: في تجهيل المجتمع كسياسة
- التعليم يُفرَّغ عمدًا من دوره التحرري
لأن الوعي خطر على منظومة تقوم على الطاعة. لذلك يُترك التعليم في الهشاشة، ويُحاصَر الفكر النقدي، وتُعاد إنتاج الرداءة. - الإعلام مُستأنَس لا مستقل
وظيفته الترويج لا المساءلة، التبرير لا الكشف. وهذه جريمة في حق الحقيقة.
سادسًا: في العدالة الغائبة
- لا دولة بلا محاسبة
حين يفلت الفاسد، ويُكافأ العاجز، ويُقصى الكفء، فنحن أمام سلطة تخشى العدالة لأنها تُدينها. - القضاء إمّا مستقل أو بلا معنى
استقلال القضاء لا يُقاس بالنصوص، بل بقدرته على الاقتراب من مراكز النفوذ دون خوف.
خاتمة: لا حلول وسط مع الفشل
هذا الحوار إما أن يكون لحظة قطيعة مع نظام الاستثناء، أو سيكون مجرد فصل إضافي في مسرحية فقدت جمهورها.
لا نحتاج:
إلى مزيد من التكيّف،
ولا إلى ترقيع الواجهات،
ولا إلى خطابات مطمئنة كاذبة.
نحتاج إلى قرار سياسي شجاع:
تفكيك منظومة الوصاية، استعادة السيادة، ردّ الاعتبار لإرادة المواطنين، وربط السلطة بالمحاسبة.
وغير ذلك، ليس إصلاحًا… بل إدارة متعمدة للانهيار.






