ثقافة

هل اعتنق نابليون الإسلام؟ جدل تاريخي يتجدد في فرنسا

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

أعادت تصريحات مؤرخ فرنسي في المسجد الكبير بباريس الجدل حول علاقة الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت بالإسلام، بعد أن قال لويس بلان إنه «لا جدال في أن نابليون كان مسلما»، في مقطع مصور نُشر عقب محاضرة ألقاها في 30 سبتمبر/أيلول الماضي.

وبعد أربعة أيام، أعلن المسجد الكبير بباريس أنه لا يتبنى موقفا من هذه المسألة، ليعود السؤال التاريخي إلى الواجهة، وسط تباين في قراءات المؤرخين للوثائق والشهادات المرتبطة بحياة نابليون.

فالقائد الذي خاطب المصريين عام 1798 ببيان يتضمن إشارات إلى القرآن والنبي محمد، قصف حي الأزهر بعد نحو ثلاثة أشهر، وأبرم اتفاقا مع البابا عام 1801، قبل أن يتوج إمبراطورا في كاتدرائية نوتردام عام 1804.

وبين هذه الوقائع المتعارضة ظاهريا، يبني بلان أطروحته في كتابه «نابليون والإسلام»، فيما يختلف معه مؤرخون آخرون بشأن حقيقة موقف الإمبراطور من الدين، وما إذا كان إعجابه بالإسلام يعكس قناعة شخصية أم توجها سياسيا.

دبلوماسي فرنسي يبحث في أرشيف نابليون

صدر كتاب «نابليون والإسلام» في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2025 عن دار إريك بونييه في باريس، ضمن سلسلة «حبر الشرق»، ويقع في نحو 290 صفحة تتضمن مراجع وفهرسا. ولم تصدر له ترجمة عربية حتى الآن.

وأتبع بلان هذا العمل بكتاب آخر بعنوان «نابليون والجزيرة العربية»، تناول موضوعه في محاضرته الأخيرة بالمسجد الكبير في باريس.

وُلد لويس بلان في مرسيليا عام 1957، وحصل على الدكتوراه في التاريخ المعاصر من جامعة السوربون عام 1986، ثم التحق بالسلك الدبلوماسي الفرنسي، وشغل مناصب من بينها قنصل فرنسا في جدة.

ولا ينبغي الخلط بينه وبين المؤرخ الفرنسي لويس بلان، الذي عاش في القرن التاسع عشر وكتب عن الثورة الفرنسية، رغم تشابه الاسمين عند كتابتهما بالعربية.

وتتناول أبحاث بلان علاقة الأدباء الفرنسيين بالإسلام والعالم العربي، ومن بينهم فيكتور هوغو ولامارتين وألكسندر دوما. كما سبق له إلقاء محاضرات في المسجد الكبير بباريس عن هوغو ولامارتين، ثم عاد في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 لتقديم كتابه عن نابليون.

ماذا تقول أطروحة الكتاب؟

يطرح الناشر سؤالا مركزيا بشأن نابليون: هل كان ادعاؤه التقرب من الإسلام صادقا أم مجرد وسيلة سياسية؟ ويشير إلى أن القائد الفرنسي أبدى اهتماما بالإسلام، لكنه في الوقت نفسه قاد حملات عسكرية أسفرت عن مقتل مصريين وفلسطينيين قاوموا الغزو الفرنسي.

ويستند الكتاب، بحسب الناشر، إلى مصادر أوروبية وعربية يرى مؤلفه أنها تعرضت للإهمال أو لسوء التأويل.

وتفصل مراجعة كتبها الباحث الفرنسي المستقل رولان لافيت، ونشرها موقع «مسلمون في فرنسا»، جوانب من هذه الأطروحة. إذ تتناول نشأة نابليون في كورسيكا ضمن بيئة ثقافية متأثرة بتقاليد توسكانية وانفتاح على البحر المتوسط، وما واجهه من سخرية زملائه في مدرسة بريين، فضلا عن قراءاته المبكرة عن الأتراك والعرب.

وتتوقف المراجعة عند قصة كتبها نابليون في العشرين من عمره عن شاب يحلم بالسير على خطى النبي محمد، كما تشير إلى إعجابه بأفكار جان جاك روسو، وقراءته ترجمة كلود إتيان سافاري لمعاني القرآن خلال رحلته البحرية إلى الإسكندرية.

لكن عرض لافيت لا يخلص إلى أن نابليون اعتنق الإسلام بالمعنى الديني التقليدي؛ إذ يصفه بأنه كان ربوبيّا، أي يؤمن بوجود إله دون الالتزام بالضرورة بدين محدد، ومن أبناء عصر الأنوار الذين لم يلتزموا بممارسة شعائر دينية منتظمة.

وبحسب هذه القراءة، لم يكن نابليون يرى تناقضا بين بقائه كاثوليكيا من الناحية الرسمية وبين نطقه بالشهادتين في القاهرة، مع إبدائه ميلا شخصيا إلى الإسلام مقارنة بعقائد أخرى. وتبدو هذه الصيغة أكثر تحفظا من التصريح الذي أطلقه بلان في المسجد الباريسي.

وينقل لافيت عن الكتاب أن نابليون أدرك مكانة الشرق الإسلامي بالنسبة إلى أوروبا، لكنه أفسد فرص التقارب بين الطرفين باستخدام القوة. ويرى بلان أن الاهتمام الذي أبداه بعض مفكري عصر الأنوار بالإسلام تراجع لاحقا في ظل التوسع الاستعماري.

ويقدم المؤلف في الجزء الأخير من كتابه دعوة إلى فرنسا للاعتراف بالمكون الإسلامي في تاريخها، معتبرا أن هذا الجانب غاب عن الصورة الشائعة لنابليون، بالتزامن مع ترسخ التجربة الاستعمارية الفرنسية في الجزائر.

وثائق تدعم روايتين متعارضتين

يستند من يرون أن نابليون أبدى ميلا حقيقيا إلى الإسلام إلى عدد من الوثائق، من بينها رسالة بعث بها إلى الشيخ محمد المسيري، أحد كبار علماء الإسكندرية، في 28 أغسطس/آب 1798.

وفي الرسالة، المنشورة ضمن مجموعة «مراسلات نابليون الأول»، أعرب القائد الفرنسي عن أمله في جمع علماء مصر وإقامة نظام يستند إلى مبادئ القرآن.

ومن الشهادات الأخرى ما دوّنه الجنرال غاسبار غورغو، الذي رافق نابليون خلال منفاه في جزيرة سانت هيلانة، عام 1817. فقد نقل عن الإمبراطور المخلوع تفضيله دين محمد، معتبرا إياه «أقل سخفا» من دينه.

ويطرح لافيت تساؤلا بشأن استمرار اهتمام نابليون بالإسلام خلال منفاه، في وقت لم يعد فيه بحاجة إلى كسب تأييد السكان أو إقناعهم بمواقفه السياسية.

في المقابل، توجد نصوص أخرى تُستخدم للدفاع عن تفسير مختلف. ففي جلسة لمجلس الدولة الفرنسي يوم 16 أغسطس/آب 1800، قال نابليون إنه كسب الحرب في إقليم الفانديه عندما جعل نفسه كاثوليكيا، واستقر في مصر عندما «جعل نفسه مسلما»، مضيفا أنه لو حكم شعبا يهوديا لأعاد بناء هيكل سليمان.

وقرأ كثيرون هذه التصريحات باعتبارها دليلا على توظيف الدين لتحقيق أهداف سياسية. غير أن لافيت يقترح تفسيرا آخر، مفاده أن نابليون كان يرى احترام دين الأغلبية وسيلة لمنح الحاكم شرعية لدى السكان.

وتتضمن الوثائق أيضا وصية نابليون المؤرخة في 15 أبريل/نيسان 1821، التي أعلن فيها أنه يموت على المذهب الكاثوليكي الروماني.

ولا يقتصر الجدل على أقوال الإمبراطور ورسائله، بل يشمل كذلك الوقائع العسكرية التي شهدتها مصر وفلسطين خلال حملته. فقد أشار المؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي إلى دخول الجنود الفرنسيين الجامع الأزهر بخيولهم، كما أُعدم أسرى عثمانيون في يافا في مارس/آذار 1799.

ولا ينكر لافيت أعمال القمع التي وقعت في القاهرة والمذبحة التي شهدتها يافا، لكنه يرى أن المقاومة المصرية والفلسطينية استهدفت الاحتلال الأجنبي بالدرجة الأولى، ولم تكن محصورة في دوافع دينية.

كما يلفت الجدل إلى اقتباسات متداولة نُسبت إلى نابليون من دون تدقيق، ومنها عبارات يُعاد تداولها باعتبارها دليلا على رغبته في توحيد حكماء مختلف البلدان على مبادئ القرآن. غير أن النص الفرنسي الوارد في رسالة المسيري يتحدث عن حكماء مصر، ولا يشمل بلدان العالم بأسره.

مؤرخون يختلفون في تفسير علاقة نابليون بالإسلام

تتباين قراءات المؤرخين لعلاقة نابليون بالإسلام بين التركيز على حساباته السياسية والاهتمام الذي أبداه بالنبي محمد والتراث الإسلامي.

ويرى هنري لورنس، أستاذ التاريخ في كوليج دو فرانس والمتخصص في الحملة الفرنسية على مصر، أن نابليون ومستشاريه من المستشرقين اعتقدوا أن السيطرة على الشرق تقتضي استخدام الإسلام أداة سياسية.

ومع ذلك، أدار لورنس نفسه أمسية لمناقشة كتاب بلان في مركز «كاريب» بباريس في نوفمبر/تشرين الثاني 2025.

أما خوان كول، أستاذ التاريخ في جامعة ميشيغان، فيتناول في كتابه «مصر نابليون» الطريقة التي صاغت بها الحملة الفرنسية خطابا يصور الاحتلال على أنه مشروع للتحرير.

وفي كتابه «وجوه محمد»، يقر جون تولان، أستاذ التاريخ في جامعة نانت، بإعجاب نابليون بالنبي محمد، ويرى أن الصور التي رسمها الأوروبيون للنبي عكست أيضا اهتماماتهم ومخاوفهم الفكرية والسياسية. ويشير إلى أن صورة محمد في تصور نابليون بدت شبيهة بصورة الإمبراطور نفسه لو أنه حقق النجاح الذي كان يطمح إليه.

وفي المقابل، ينقل لافيت عن المؤرخ الفرنسي المتخصص في الحقبة النابليونية جان تولار دعوته إلى عدم اختزال موقف نابليون في النفاق، مشيرا إلى معرفته بالقرآن وإعجابه بالنبي محمد.

أما شهادة الجبرتي، الذي عاصر الحملة الفرنسية على مصر، فتقدم منظورا مختلفا عن صورة نابليون في المصادر الأوروبية. فقد تعامل المؤرخ المصري بحذر مع خطاب القائد الفرنسي الموجه إلى المصريين، وانتقد ركاكة لغته العربية وأخطاءه النحوية، في قراءة تعكس الشك في أهداف الحملة وخطابها السياسي.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى