رأي آخر

لماذا تثورمنظمة التعاون الإسلاميى ضد تطبيع إسرائيل مع “أرض الصومال” ولاتحرك ساكنا أمام تهويد الأقصى ؟


يثير تباين مواقف عدد من الدول الإسلامية إزاء القضايا المصيرية تساؤلات عميقة حول منطق ترتيب الأولويات في الفعل السياسي والدبلوماسي الإسلامي. فبينما سارعت بعض هذه الدول إلى إدانة زيارة مسؤول إسرائيلي لما يُعرف بـ«أرض الصومال»، التزمت في المقابل صمتاً مريباً، أو اكتفت ببيانات باهتة، تجاه ما يتعرض له المسجد الأقصى من انتهاكات وتدنيس ممنهج، في سلوك يعكس خللاً واضحاً في بوصلة القضايا المركزية للأمة.
يشكل المسجد الأقصى مكانةً فريدة في الوجدان الإسلامي، فهو مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم، وأولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين. وتستمد قداسته بعداً عقدياً وتاريخياً لا يقبل المساومة أو المقارنة. ورغم هذه الرمزية الجامعة، يعيش الأقصى اليوم تحت تهديد مباشر، في ظل سياسات إسرائيلية متسارعة تهدف إلى طمس هويته الإسلامية، وفرض وقائع جديدة على الأرض تمهيداً لتهويده، وسط اعتداءات يومية لا تخفى على أحد.
وكان الأجدر بالعرب والمسلمين، انطلاقاً من هذه المكانة، أن يتوحدوا حول استراتيجية عملية وجادة للدفاع عن المسجد الأقصى، وأن يرفضوا بشكل قاطع أي تغيير في وضعه التاريخي والقانوني. غير أن الواقع يكشف أن المواقف الرسمية ظلت حبيسة خطابات الشجب والتنديد، وقمم شكلية تبدأ بالكلمات وتنتهي بها، دون أن تترجم إلى إجراءات مؤثرة أو ضغوط حقيقية تردع الاحتلال.
في المقابل، نشهد اليوم حراكاً سياسياً وإعلامياً لافتاً ضد ما يُعرف بـ«أرض الصومال». وعلى الرغم من أهمية هذه القضية باعتبارها تمس وحدة وسيادة دولة عربية، فإن وضعها في مرتبة تتقدم على قضية فلسطين والمسجد الأقصى يظل أمراً مستغرباً وغير مفهوم لدى الرأي العام العربي والإسلامي. فالقضية الفلسطينية ليست مجرد نزاع سياسي، بل هي جوهر الصراع مع الاحتلال، وعنوان الظلم التاريخي الواقع على شعب أعزل، واختبار حقيقي لمدى التزام الأمة بقيمها ومبادئها.
إن التراجع الملحوظ في مستوى الاهتمام الرسمي بفلسطين وبالمسجد الأقصى يعكس حالة من الاستقالة الجماعية من الدور التاريخي للأمة في الدفاع عن قضاياها المركزية. فقد واصل الاحتلال الإسرائيلي سياساته العدوانية، من تهويد القدس، إلى قتل المدنيين، وارتكاب جرائم الإبادة في غزة، على مرأى ومسمع من العالم، دون أن يواجه برد عملي يرقى إلى حجم الجريمة. بل إن العديد من الدول العربية والإسلامية عجزت حتى عن تجميد علاقاتها مع الكيان المحتل، ناهيك عن قطعها، دعماً لشعب يدافع عن أرضه وحقه المشروع في الحرية والكرامة.
إن ما يحدث اليوم يؤكد أن الخطابات المدبجة، مهما بلغت بلاغتها، لا تصنع تغييراً، ولا تحمي مقدسات، ولا تنصف شعباً مظلوماً. وحدها الخطوات العملية الجريئة، القائمة على إرادة سياسية حقيقية، قادرة على إحداث أثر يزعزع حسابات الاحتلال ويعيد الاعتبار لقضايا الأمة.
وعليه، فإن إعادة ترتيب الأولويات لم تعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة أخلاقية وتاريخية. فالأمة التي تعجز عن الدفاع عن أقدس مقدساتها، وأعدل قضاياها، لن يكون بمقدورها إقناع شعوبها أو العالم بصدق مواقفها في قضايا أخرى، مهما بلغت أهميتها.

رئيس التحرير

زر الذهاب إلى الأعلى