تفشيات صحية مقلقة مطلع 2026: التهاب السحايا والحصبة يهددان جهود المكافحة العالمية

مع بداية عام 2026، أعلنت عدة دول إفريقية إلى جانب المملكة المتحدة تسجيل حالات إصابة بالتهاب السحايا، وسط مخاوف متزايدة من نقص إمدادات اللقاحات نتيجة ارتفاع الطلب عليها. وفي سياق متصل، شهدت بنغلاديش وفاة أكثر من 100 طفل بسبب الحصبة، ما دفع السلطات، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، إلى إطلاق حملة تطعيم طارئة.
وتثير هذه التطورات القلق بشأن إمكانية تقويض أهداف منظمة الصحة العالمية الرامية إلى خفض معدلات الإصابة بالتهاب السحايا بنسبة 50% بحلول عام 2030، إضافة إلى عرقلة الجهود الدولية للسيطرة على الحصبة وتقليل الوفيات المرتبطة بها.
التهاب السحايا: مرض خطير بتداعيات طويلة الأمد
يُعد التهاب السحايا من الأمراض الخطيرة التي تصيب الأغشية المحيطة بالدماغ والحبل الشوكي، وقد ينجم عن أسباب معدية أو غير معدية. وتكمن خطورته في قدرته على التسبب في الوفاة أو إحداث مضاعفات دائمة، ما يستدعي تدخلاً طبياً عاجلاً.
وتصنف منظمة الصحة العالمية المرض كتهديد صحي عالمي، إذ يمكن أن تسببه بكتيريا أو فيروسات أو فطريات أو طفيليات، غير أن النوع البكتيري يُعد الأكثر خطورة، لارتباطه بارتفاع معدلات الوفاة.
ورغم أن انتقال العدوى يتطلب عادة احتكاكًا وثيقًا ومطولًا، فإن احتمالات التفشي ترتفع في البيئات المزدحمة. وفي هذا السياق، سُجل تفشٍ للمرض في مقاطعة كنت البريطانية، حيث تم رصد 29 حالة إصابة وحالتي وفاة خلال الأسابيع الماضية.
وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن العبء الأكبر للمرض يتركز في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، المعروفة بـ”حزام الالتهاب السحائي”، الممتد من السنغال إلى إثيوبيا، حيث تتكرر الأوبئة بشكل دوري.
وخلال مارس/آذار 2026، أعلنت عدة دول إفريقية تسجيل حالات مشتبه بها ومؤكدة، من بينها: بنين، بوركينا فاسو، الكاميرون، كوت ديفوار، غانا، نيجيريا، والنيجر، إلى جانب دول أخرى في غرب ووسط وشرق القارة.
في المقابل، أكدت السلطات الصحية في مصر أن الحالات المسجلة تظل فردية وفي إطار المعدلات الطبيعية، دون وجود مؤشرات على تفشٍ واسع.
الأعراض والمضاعفات
تتطور أعراض التهاب السحايا بسرعة، وتشمل ارتفاع الحرارة، والصداع الحاد، وتيبس الرقبة، والحساسية للضوء، إضافة إلى القيء والارتباك الذهني، وقد يظهر طفح جلدي في بعض الحالات.
وتشير التقديرات إلى أن واحدًا من كل خمسة ناجين من الالتهاب السحائي البكتيري قد يعاني من مضاعفات طويلة الأمد، مثل فقدان السمع، والتشنجات، وضعف الأطراف، ومشكلات في الرؤية واللغة والذاكرة.
اللقاحات والتحديات المرتبطة بها
تتوفر لقاحات فعالة ضد عدة سلالات من بكتيريا المكورات السحائية، إلا أنه لا يوجد لقاح شامل يغطي جميع الأنواع. وتوصي منظمة الصحة العالمية بتوسيع استخدام اللقاحات، خاصة في المناطق عالية الخطورة.
ومع ارتفاع الطلب، تم الإبلاغ عن نقص نسبي في إمدادات اللقاحات في بعض الدول، خاصة في خدمات تطعيم البالغين، بينما تستمر برامج التحصين الوطنية للأطفال بشكل طبيعي.
وفي إفريقيا، أطلقت منظمة الصحة العالمية حملات تطعيم طارئة، مع الاعتماد على المخزونات العالمية لمواجهة النقص والسيطرة على انتشار المرض.
استراتيجية عالمية للقضاء على المرض
في عام 2020، أقرت جمعية الصحة العالمية خطة طموحة تهدف إلى القضاء على التهاب السحايا بحلول عام 2030، من خلال القضاء على الأوبئة البكتيرية، وخفض الإصابات القابلة للوقاية بنسبة 50%، وتقليل الوفيات بنسبة 70%، إضافة إلى الحد من الإعاقات المرتبطة بالمرض.
ويؤكد مختصون أن الفئات الأكثر عرضة للإصابة تشمل الأطفال وحديثي الولادة والمراهقين، إضافة إلى أصحاب المناعة الضعيفة، مشيرين إلى أن العلاج يختلف حسب نوع المسبب، بين مضادات فيروسية أو حيوية، مع إمكانية تعافي بعض الحالات تلقائياً.
كما يشدد الأطباء على أهمية الجرعات التنشيطية للقاحات، نظراً لعدم توفر مناعة دائمة ضد المرض، سواء بعد الإصابة أو التطعيم.
الحصبة: عودة مقلقة لمرض شديد العدوى
بالتوازي مع ذلك، تعود الحصبة لتثير القلق عالمياً، بعد تسجيل وفاة أكثر من 100 طفل في بنغلاديش. ويُعد المرض من أكثر الأمراض الفيروسية عدوى، إذ ينتقل بسهولة عبر الرذاذ التنفسي.
وتبدأ الإصابة في الجهاز التنفسي قبل أن تنتشر في أنحاء الجسم، وتشمل أعراضها الحمى الشديدة، والسعال، وسيلان الأنف، وطفحاً جلدياً واسعاً. ولا يوجد علاج نوعي مباشر، حيث يقتصر التدخل الطبي على تخفيف الأعراض ومنع المضاعفات.
ويؤكد مختصون أن العزل وتقليل الاختلاط يعدان من أهم وسائل الحد من انتشار المرض، خاصة خلال فترة الحضانة التي تتراوح بين 10 و12 يوماً.
ورغم أن الإصابة بالحصبة تمنح مناعة مدى الحياة، فإن اللقاحات تبقى الوسيلة الأكثر فعالية للوقاية، إلى جانب الجرعات التنشيطية لضمان استمرار الحماية.
ارتفاع الإصابات رغم توفر اللقاح
تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى تسجيل نحو 95 ألف حالة وفاة بسبب الحصبة في عام 2024، معظمها بين الأطفال دون سن الخامسة، رغم توفر لقاح آمن وفعال.
كما ارتفع عدد الإصابات إلى نحو 11 مليون حالة خلال العام نفسه، بزيادة ملحوظة مقارنة بمستويات ما قبل جائحة كورونا، مع تسجيل ارتفاعات كبيرة في عدة أقاليم، أبرزها شرق المتوسط وأوروبا وجنوب شرق آسيا.
في المقابل، شهدت إفريقيا تراجعًا في عدد الحالات والوفيات، وهو ما يُعزى جزئياً إلى تحسن معدلات التغطية بالتطعيم.
وتؤكد هذه المؤشرات أن تعزيز برامج التحصين يظل العامل الحاسم في مواجهة الحصبة والحد من انتشارها، خاصة في ظل التحديات الحالية المرتبطة بتوفير اللقاحات وتزايد الطلب عليها عالميًا.









