الأخبار العالمية

العدالة الانتقالية.. مسار لمحاسبة الانتهاكات وإنصاف الضحايا في مراحل التحول السياسي

العدالة الانتقالية منظومة من التدابير القانونية والقضائية والمؤسسية تُعتمد لمعالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي تخلفها الحروب الأهلية أو الأنظمة الاستبدادية، بهدف تحقيق الإنصاف للضحايا، وتعزيز المصالحة المجتمعية، وترسيخ أسس السلم الأهلي خلال الفترات الانتقالية.

وتقوم العدالة الانتقالية على أربعة محاور رئيسية هي: محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وكشف الحقيقة بشأن الجرائم المرتكبة، وجبر الضرر الذي لحق بالضحايا، وإصلاح المؤسسات لضمان عدم تكرار الانتهاكات مستقبلا.

الجذور التاريخية

يرى عدد من الباحثين أن البدايات الأولى للعدالة الانتقالية تعود إلى محاكمات نورنبيرغ التي أُنشئت عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية لمحاكمة كبار المسؤولين في النظامين النازي والياباني بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وساهمت تلك المحاكمات في ترسيخ البعد الجنائي والحقوقي في التعامل مع الانتهاكات الكبرى، كما مهدت الطريق لنشوء الحركة الحقوقية الدولية الحديثة خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

من الفكرة إلى الممارسة

لم يتبلور مفهوم العدالة الانتقالية بصورته الحالية إلا خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بالتزامن مع التحولات الديمقراطية التي شهدتها دول في أوروبا وأمريكا اللاتينية.

فقد أدت محاكمة رموز الأنظمة العسكرية في اليونان عام 1975 والأرجنتين عام 1983 إلى ترسيخ فكرة أن الانتقال السياسي لا يقتصر على تغيير السلطة، بل يستوجب أيضا معالجة انتهاكات الماضي ومحاسبة المسؤولين عنها.

أهداف العدالة الانتقالية

تهدف العدالة الانتقالية إلى:

  • إنهاء سياسة الإفلات من العقاب.
  • ترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
  • كشف الحقيقة بشأن الانتهاكات السابقة.
  • جبر الضرر المادي والمعنوي للضحايا.
  • إعادة بناء الثقة بين المواطنين والدولة.
  • إصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية والإدارية.
  • منع تكرار الانتهاكات مستقبلا.

ورغم اعتمادها على آليات قضائية صارمة، فإن جوهر العدالة الانتقالية لا يتمثل في العقاب وحده، بل في تحقيق المصالحة المجتمعية وإعادة الاعتبار للضحايا.

آليات التنفيذ

تُفعّل العدالة الانتقالية عبر مسارين متكاملين:

المسار الداخلي

يتطلب وجود إرادة سياسية حقيقية تسمح بكشف الانتهاكات والاعتراف بها، إضافة إلى إنشاء لجان تقصي حقائق أو هيئات مستقلة للتحقيق، وتعويض المتضررين، وإصلاح مؤسسات الدولة.

المسار الدولي

تلعب المحاكم الدولية دورا مهما في ملاحقة مرتكبي الجرائم الخطيرة، ومن أبرزها:

  • المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة.
  • المحكمة الجنائية الدولية لرواندا.
  • المحكمة الجنائية الدولية، التي تأسست عام 2002 بموجب نظام روما الأساسي.

تجارب دولية بارزة

الأرجنتين

بعد سقوط الحكم العسكري عام 1983، أنشأت الأرجنتين لجنة وطنية للتحقيق في جرائم الاختفاء القسري والانتهاكات، قبل أن تُجرى محاكمات لعدد من قادة المجلس العسكري.

جنوب أفريقيا

عقب انتهاء نظام الفصل العنصري، شُكلت لجنة الحقيقة والمصالحة بقيادة ديزموند توتو، واعتمدت سياسة تجمع بين كشف الحقيقة والعفو المشروط بالاعتراف بالجرائم.

المغرب

أُنشئت هيئة الإنصاف والمصالحة عام 2004 للتحقيق في انتهاكات ما يعرف بـ”سنوات الرصاص”، وتعويض الضحايا وتقديم توصيات إصلاحية.

تونس

تأسست هيئة الحقيقة والكرامة لمعالجة انتهاكات حقوق الإنسان الممتدة من عام 1955 إلى 2013، ونظمت جلسات استماع علنية للضحايا وأحالت عددا من الملفات إلى دوائر قضائية متخصصة.

سوريا

أُعلن في مايو/أيار 2025 عن تشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بهدف معالجة انتهاكات حقبة حكم بشار الأسد، فيما شهد أبريل/نيسان 2026 أول محاكمة علنية لـعاطف نجيب، المتهم بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين مع بداية الاحتجاجات السورية عام 2011.

وتُظهر التجارب الدولية أن نجاح العدالة الانتقالية يظل مرتبطا بمدى توافر الإرادة السياسية، وقدرة الدول على الموازنة بين متطلبات المحاسبة والحفاظ على الاستقرار المجتمعي خلال مراحل التحول السياسي.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى