اقتصاد

الصين بين تباطؤ الداخل وتوسّع الخارج: براغماتية صاعدة في شرق أوسط مضطرب

تمرّ الصين بمرحلة دقيقة في مسار صعودها العالمي، حيث يواجه اقتصادها تباطؤًا ملحوظًا بعد عقود من النمو المتسارع، نتيجة أزمة عقارية وضغوط داخلية وخارجية متزايدة. ومع ذلك، تواصل بكين تعزيز حضورها السياسي والاقتصادي خارج حدودها، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط التي تكتسب أهمية متنامية في استراتيجيتها الدولية.

في المقابل، يشهد النظام الدولي حالة من السيولة وإعادة التشكّل، في ظل تصاعد التوتر بين الصين والولايات المتحدة وتفاقم الأزمات الإقليمية، ما يجعل التحركات الصينية محل متابعة دقيقة من القوى العالمية والعربية على حد سواء.

تعتمد بكين في هذا السياق نهجًا براغماتيًا يقوم على تحقيق توازن بين الحفاظ على استقرارها الاقتصادي الداخلي وتوسيع شبكة شراكاتها الخارجية، خصوصًا مع دول “الجنوب العالمي”، التي ترى فيها شريكًا اقتصاديًا بديلًا أو مكمّلًا للغرب.

ويحتل الشرق الأوسط موقعًا محوريًا ضمن هذه الرؤية، باعتباره مصدرًا رئيسيًا للطاقة وسوقًا واعدة للاستثمارات في مجالات البنية التحتية والتكنولوجيا والاتصالات، فضلًا عن كونه ساحة اختبار لقدرة الصين على توسيع نفوذها السياسي دون الانخراط في مواجهات مباشرة مع واشنطن.

بالنسبة للعالم العربي، لم تعد الصين مجرد شريك تجاري صاعد، بل قوة كبرى تعيد تموضعها في منطقة أنهكتها التحولات والصراعات، ما يفتح باب التساؤلات حول حدود دورها بين من يراها فرصة لتنويع الشراكات، ومن يخشى تحوّل المنطقة إلى ساحة تنافس بين القوى الكبرى.

ويهدف هذا التقرير إلى تقديم قراءة تحليلية لموقع الصين في ظل تباطؤها الاقتصادي وتصاعد التوترات الجيوسياسية، من خلال فهم دوافعها الداخلية، واستراتيجيتها في الشرق الأوسط، وحدود تنافسها مع الولايات المتحدة، وانعكاسات ذلك على صانع القرار العربي.

أولًا: “التباطؤ المُدار” كإطار للتحول الاقتصادي

يشكّل التمدد الخارجي للصين انعكاسًا لتحوّل داخلي أعمق، إذ انتقلت من نموذج “النمو السريع بأي ثمن” إلى ما تصفه بـ”التباطؤ المُدار”، مع تحديد هدف نمو يتراوح بين 4.5% و5% لعام 2026، وهو الأدنى منذ عقود، لكنه يعكس واقعية أكبر في التعامل مع التحديات الاقتصادية.

لم تعد الأولوية لتحقيق معدلات نمو مرتفعة، بل لتحقيق “نمو عالي الجودة” قائم على تعزيز الاستهلاك المحلي، ودعم الابتكار، وتسريع التحول نحو الاقتصاد الأخضر، مع تقليص الاعتماد على القطاع العقاري والاستثمارات القائمة على الديون.

ورغم هذا التوجه، تواجه بكين تحديات معقدة، أبرزها استمرار أزمة القطاع العقاري، وتراكم ديون الحكومات المحلية، وتراجع ثقة المستثمرين، ما يفرض على صناع القرار إدارة التباطؤ بحذر لتجنب تداعيات اجتماعية ومالية أوسع.

في هذا السياق، يُنظر إلى التوسع الخارجي، خاصة في الشرق الأوسط، كجزء من استراتيجية لامتصاص الضغوط الداخلية عبر فتح أسواق جديدة، وتأمين مصادر الطاقة، وتوسيع هامش المناورة في ظل التوتر مع الولايات المتحدة.

وتتأرجح السياسات الاقتصادية بين تحفيز محدود وتيسير نقدي مدروس، مع توجيه الاستثمارات نحو قطاعات استراتيجية مثل التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والصناعات الخضراء، باعتبارها محركات النمو المستقبلي.

ويؤكد خبراء أن فهم “التباطؤ المُدار” لا يقتصر على كونه ظاهرة اقتصادية داخلية، بل يمثل مفتاحًا لتفسير السلوك الخارجي للصين، التي تعيد من خلاله صياغة أدوات نفوذها العالمي.

ثانيًا: براغماتية صينية في قلب الشرق الأوسط

في ظل هذا التحول الداخلي، تتبنى الصين في الشرق الأوسط نهجًا براغماتيًا يركز على تعظيم المصالح وتقليل المخاطر، بعيدًا عن التحالفات الأيديولوجية أو الاصطفافات الحادة.

ومن خلال سياسة “عدم التدخل” والتركيز على التعاون الاقتصادي، استطاعت بكين بناء علاقات متوازنة مع أطراف متباينة، تشمل دول الخليج وإيران، إضافة إلى شراكات اقتصادية وتكنولوجية مع إسرائيل.

تمنح هذه المرونة الصين قدرة على التحرك في بيئة إقليمية معقدة دون الانخراط المباشر في صراعاتها، مع الحفاظ على صورتها كشريك اقتصادي موثوق لمختلف الأطراف.

ويتجلى هذا النهج في سعيها لتأمين احتياجاتها من الطاقة، وربط مشاريع المنطقة بمبادرة “الحزام والطريق”، في ظل تجاوز حجم التبادل التجاري مع الشرق الأوسط والعالم العربي 400 مليار دولار خلال السنوات الأخيرة.

كما توسّعت الصين في مجالات الطاقة المتجددة والبتروكيماويات والاتصالات والتقنيات الرقمية، إلى جانب توظيف أدوات “الدبلوماسية الهادئة” عبر الوساطة والدعوة إلى خفض التصعيد في عدد من الملفات الإقليمية.

ورغم ذلك، يظل حضورها السياسي محدودًا مقارنة بالنفوذ الأمريكي، حيث يبرز تأثيرها بشكل أكبر من خلال المشاريع الاقتصادية والبنية التحتية، ما يعكس نموذجًا مختلفًا لبناء النفوذ قائمًا على الاقتصاد والتكنولوجيا بدلًا من القوة العسكرية.

غير أن هذه البراغماتية تضع الصين أمام تحديات معقدة، خاصة عند تصاعد الأزمات، إذ تضطر للحفاظ على توازن دقيق بين أطراف متنافسة، مع تجنب الانجرار إلى مواجهات مباشرة مع الولايات المتحدة.

ثالثًا: دور الصين في الاستقرار الإقليمي وحدوده

تسعى الصين إلى تقديم نفسها كقوة داعمة للاستقرار، وليس كفاعل أمني تقليدي في الشرق الأوسط، وهو ما انعكس في دورها في رعاية اتفاق استئناف العلاقات بين إيران والسعودية عام 2023، الذي أسهم في خفض التوتر بين الطرفين.

كما عززت دعواتها المتكررة للحوار ووقف التصعيد في قضايا مثل غزة والخليج صورتها كوسيط محتمل في إدارة الأزمات، مع اعتمادها على أدوات دبلوماسية واقتصادية بدلًا من القوة العسكرية.

ويمنح هذا النهج بكين صورة مغايرة للقوى الكبرى التقليدية، ويتيح لدول المنطقة هامشًا أوسع للمناورة بين الشركاء الدوليين.

مع ذلك، يظل تأثير الصين في تحقيق الاستقرار محدودًا، نظرًا لغياب الضمانات الأمنية الصلبة وضعف حضورها العسكري مقارنة بالولايات المتحدة، ما يجعل قدرتها على فرض ترتيبات أمنية مستدامة مرتبطة بإرادة القوى الإقليمية نفسها.

ويرى محللون أن الصين تميل إلى إدارة مستوى “عدم الاستقرار” بدلًا من حسمه، عبر تقليل المخاطر بما يحفظ مصالحها في الطاقة والتجارة، مع الدفع نحو صيغ حوارية مثل ترتيبات الأمن الجماعي في الخليج، دون الانخراط في التزامات عسكرية أو مواجهات مباشرة مع واشنطن.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى