ثقافة

الحوار الوطني في موريتانيا: فرصة لتجديد الثقة وبناء توافق وطني

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

بقلم: المنسق الوطني لأصدقاء الرئيس غزواني جالو امادو كورل

ليس الحوار الوطني مجرد لقاء يجمع ممثلي النظام والمعارضة، بل هو اختبار حقيقي لقدرة النخبة السياسية الموريتانية على تحويل الاختلاف إلى فرصة للإصلاح، وتعزيز الاستقرار، وبناء دولة المواطنة والقانون.

وفي هذا السياق، يكتسب الحوار المرتقب أهمية خاصة، باعتباره فرصة لمعالجة الخلافات السياسية، وتطوير الممارسة الديمقراطية، وترسيخ الثقة بين الفاعلين السياسيين، في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى توافق واسع حول أولوياتها الوطنية.

ما الحوار؟ وما الغاية منه؟

الحوار الوطني آلية للتشاور والتفاوض بين مختلف القوى السياسية والاجتماعية، بهدف تحديد القضايا المشتركة، ومعالجة الخلافات، والاتفاق على إصلاحات تخدم المصلحة العامة.

وفي موريتانيا، لا ينبغي أن تقتصر غايته على تجاوز التوتر بين السلطة والمعارضة، بل يجب أن تمتد إلى تعزيز المؤسسات، وترسيخ المواطنة المتساوية، وتطوير دولة القانون، وتوطيد الوحدة الوطنية واللحمة الاجتماعية.

وقد أكد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، في مواقفه بشأن الحوار، أهمية التوافق حول القضايا الوطنية، موضحا خلال حديثه في أطار أن الحوار لا يستهدف تغيير أسس الدولة ومبادئ الجمهورية، وإنما تعزيز المواطنة وترسيخ المؤسسات.

وتبرز أهمية هذه المقاربة في التمييز بين الإصلاح الذي يهدف إلى تطوير الدولة وتقوية مؤسساتها، وبين المساس بأسسها وثوابتها الوطنية.

غير أن نجاح الحوار لا يقاس بعدد المشاركين أو الجلسات، بل بقدرته على إنتاج حلول عملية، والتزامات واضحة، وآليات تضمن تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.

من المدعو للمشاركة؟ ولماذا هذه المرحلة؟

يفترض أن يشمل الحوار أحزاب الأغلبية والمعارضة بمختلف اتجاهاتها، والشخصيات الوطنية، ومكونات المجتمع المدني، وسائر القوى التي يمكن أن تسهم في إثراء النقاش حول مستقبل البلاد.

فالشمولية لا تتحقق بمجرد توجيه الدعوات، بل تتطلب الاستماع إلى تحفظات الأطراف المختلفة، وتوفير ضمانات جدية لحرية النقاش وتكافؤ الفرص واحترام النتائج.

وتأتي أهمية المرحلة الحالية من الحاجة إلى الانتقال من المشاورات التحضيرية إلى حوار فعلي يعالج الملفات الوطنية العالقة، ويحول التوافقات الممكنة إلى إصلاحات ملموسة.

كما تفرض التحديات الإقليمية والاجتماعية تعزيز الاستقرار الداخلي، دون أن يكون ذلك على حساب التعددية السياسية أو حق المواطنين في المطالبة بالإصلاح.

وقد عبّر الرئيس الغزواني عن رغبته في أن يفضي الحوار إلى توافقات قابلة للتنفيذ. ويضع هذا التوجه السلطة والمعارضة أمام مسؤولية مشتركة: تحويل المبادرة إلى مسار جاد، لا إلى مناسبة جديدة لتبادل الاتهامات.

كيف نجعل الحوار ناجحا؟

يتطلب النجاح أولا إرادة سياسية صادقة، تضمن استقلالية النقاش وحرية التعبير، وتمنع فرض النتائج مسبقا. فالسلطة مطالبة بالانفتاح على النقد وتقديم ضمانات عملية، والمعارضة مطالبة بالمشاركة الإيجابية وتقديم البدائل، دون التخلي عن دورها الرقابي.

ثانيا، ينبغي أن تكون المصلحة الوطنية فوق الحسابات الحزبية، وأن تتجاوز النقاشات مصالح القيادات السياسية إلى قضايا المواطنين، وفي مقدمتها العدالة وتكافؤ الفرص وتحسين الخدمات وتعزيز المواطنة.

ثالثا، يجب أن تتضمن المخرجات أولويات محددة، وآجالا زمنية، ومسؤوليات واضحة، وآليات للمتابعة والتقييم؛ حتى لا تنتهي الجلسات إلى توصيات عامة يصعب قياس تنفيذها.

رابعا، يتحمل المواطنون والإعلام مسؤولية مهمة في إنجاح الحوار. فالمواطن مطالب بالتعبير عن تطلعاته ومتابعة الالتزامات، والإعلام مطالب بنقل الآراء بمهنية، ومواجهة التضليل والخطابات التي تغذي الانقسامات القبلية والجهوية.

إن الحوار الناجح لا يلغي الاختلاف، بل ينظم إدارته في إطار يحفظ وحدة المجتمع ويعزز المؤسسات الديمقراطية.

الخلاصة

يمثل الحوار المرتقب فرصة لموريتانيا لتجديد الثقة بين السلطة والمعارضة، وتطوير الممارسة الديمقراطية، وتعزيز الوحدة الوطنية. غير أن اغتنام هذه الفرصة يقتضي من الرئيس الغزواني توفير شروط النجاح، ومن المعارضة الانخراط الجاد، ومن جميع الأطراف تغليب المصلحة العامة.

فالرهان ليس أن ينتصر النظام على المعارضة، أو المعارضة على النظام، بل أن تنتصر موريتانيا في بناء دولة المواطنة والعدالة وتكافؤ الفرص.

وذلك هو المعيار الحقيقي لنجاح الحوار: أن يشعر المواطن بأن صوته مسموع، وأن التوافقات السياسية تتحول إلى نتائج ملموسة في حياته اليومية.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى