حوار مع إبليس.. حين تصبح التهنئة تعزية والعكس بقلم: المرتضى محمد أشفق

ما إن علمت بتعيين صديق لي في منصب رفيع، حتى هممت بالاتصال به، لا لتهنئته كما جرت العادة، بل لتعزيته فيما رأيت أنه قد يكون ابتلاءً جديدًا في حياته. وما كدت أمد يدي إلى الهاتف حتى أحسست بالشيطان يربت على كتفي، قائلًا في سخرية:
ـ ويحك! أجننت؟ أهذا مقام تعزية أم مقام تهنئة وحمد؟
قلت له: إنه مقام للحمد، أما التهنئة فليست بالضرورة في محلها.
ابتسم الشيطان ابتسامة العارف بمداخله، ثم قال:
ـ ولكن الناس سيقولون إنك تحسده، وسأهمس في أذن صديقك بأنك لا تحب له الخير، وأنك تضيق بنجاحه. وعندها ستتغير القلوب، وتتصدع العلاقة بينكما، وربما انتهت إلى القطيعة.
نظرت إليه متعجبًا وقلت:
ـ ما الذي يجعلك مشغولًا إلى هذا الحد بأمر لا يعنيك؟
فضحك ضحكة ساخرة، وأجاب:
ـ ما زال عقلك، رغم تقدمك في العمر، يجهل حقيقة مهمتي! وهل ثمة شأن من شؤون البشر لا أجد فيه منفذًا إلى غاياتي؟
ثم استطرد، وكأنه يبوح بأسرار مهنته:
ـ لقد أقنعت كثيرين بأن المناصب أبواب مفتوحة إلى الثروة والجاه، وزينت لهم حب الشهوات، وأوهمتهم أن السلطة أقصر الطرق إلى امتلاك المال وتحصيل المنافع. وبدل أن يروا في المسؤولية أمانة ثقيلة، جعلتهم ينظرون إليها بوصفها فرصة لا ينبغي أن تضيع.
علمتهم أن يستغلوا نفوذهم ما داموا في مواقعهم، وأن يسارعوا إلى جمع ما استطاعوا جمعه قبل أن يأتي يوم مغادرتهم. يخفون الأموال، ويكدسون الثروات، ويودعون في الحسابات ما تتيحه لهم قدرتهم على التسلط، وكأنهم خالدون في مناصبهم، أو كأن أعين الرقابة لا تنام، أو أن يد العدالة لن تصل إليهم يومًا.
ولم أقف عند هذا الحد؛ بل غرست في نفوسهم أن الوطن مجرد شعار يرفعه الطامعون، وأن الحديث عن المصلحة العامة ليس سوى ستار يتخفى وراءه الباحثون عن مصالحهم الخاصة.
فإذا امتلأت جيوبهم، وانتفخت خزائنهم، وانقضت حاجتهم إلى المنصب، تركوا للناس ما تبقى من الوعود، وألقوا إليهم ببعض الفتات، فانشغلوا به وتنازعوا عليه، كما تتنازع الديكة على حبوب فاسدة، بينما يواصل أصحاب المصالح رحلتهم نحو غاياتهم.
صدق الشيطان، وهو كذوب.
عندها بدأت أتساءل: كيف يمكن أن تختلط المعاني إلى هذا الحد؟ وكيف يصبح ما يبدو فرحًا في ظاهره حزنًا في حقيقته، وما يبدو حزنًا مناسبة للابتهاج؟ وأين تنتهي حدود المجاملة، وأين تبدأ مسؤولية قول الحقيقة؟
ما الفارق بين العرس والمأتم، وبين التهنئة والتعزية، وبين التعيين والعزل، إذا كانت العبرة لا بالمظاهر، وإنما بما يترتب على الأحداث من خير أو شر؟
لم يتركني الشيطان طويلًا مع أسئلتي. تنحنح، وشد على يدي، وقال بنبرة المنتصر:
ـ أحسنت! لقد استوعبت الدرس، وأصبحت تلميذًا نجيبًا. خذ هاتفك، واتصل بصديقك وهنئه؛ فقد انتهيت بنفسك إلى أن التهنئة قد تكون تعزية مقنعة.
ثم أضاف:
ـ وإذا جاءك غدًا خبر عزله، فبادر إلى تعزيته؛ لأنك ستجد في رحيله عن المنصب خلاصًا له من الابتلاء الذي ربما لم يدرك حقيقته إلا بعد فوات الأوان.
وهكذا تتغير الأسماء، وتتبدل المناسبات، بينما تبقى الحقائق رهينة ما يفعله الإنسان بموقعه ومسؤوليته.
لكن الشيطان لم يكن قد انتهى من تلقيني دروسه. فقد انتقل من وسوسة الأمس إلى نصائح اليوم، وقال:
ـ لقد تغير الزمن، ولم تعد المكالمة الهاتفية كافية لإظهار الود، ولا الكلمات الصادقة دليلًا على الوفاء. اذهب بنفسك إلى صاحبك، واصطحب زوجتك لتهنئة زوجته، وخادمك لتهنئة خادمه، بل خذ كلبك ليهنئ كلبه! ولا تنس أن تحمل معك جملًا سمينًا، فإن لم تملكه فاستعره من صديقك، وإن لم تجد من يعيرك إياه، فادفع لصاحبه مقابل ثلاثة أيام، هي المدة التي تحتاج إليها مراسم العزاء السياسي حتى تنقضي.
ثم نظر إليّ في مكر، وقال:
ـ أرأيت كيف أمسكت بزمامك؟ أقودك حيث أشاء، وأحدد لك كيف تفكر، ومتى تفرح، ومتى تحزن، ومن تهنئ، ومن تعزي. لقد أصبحت قادرًا على توجيهك دون أن تشعر بأنك تسير وفق إرادتي!
كان يتحدث بثقة من يظن أنه أحكم قبضته على كل شيء، غير أن أخطر ما في حديثه لم يكن ذلك التناقض بين التهنئة والتعزية، ولا ذلك الإسراف في مظاهر المجاملة، بل ما جاء بعده من تحذير.
قال لي بلهجة جادة:
ـ لكن إياك أن تحدث صاحبك عن العدل والنزاهة. لا تذكره بأن المنصب أمانة، وأن المال العام حق للمواطنين، وأن المسؤولية لا تسقط بالتقادم ولا تنتهي بمجرد مغادرة المكتب. لا تفسد عليه فرحته بتلك المعاني التي قد توقظ ضميره من غفلته.
ثم أردف:
ـ إياك أن تذكره بالموت؛ بذلك الزائر الذي لا يحتاج إلى موعد، ولا تمنحه الحراسة ولا الأسوار فرصة لتأجيل حضوره. يأتي في اللحظة التي لا يتوقعها المرء، فلا يستأذن، ولا ينتظر حتى يرتب صاحب السلطة شؤونه أو يغير ملابسه أو يودع أحبابه.
ولا تحدثه عن القبر، ولا عن أولئك الذين ينتظرون اكتمال دفنه وانصراف المشيعين، قبل أن تبدأ مرحلة لا تنفع فيها الألقاب، ولا تشفع فيها المناصب، ولا تجدي الأموال التي جُمعت بغير حق.
لا تذكره بمنكر ونكير، ولا بالأسئلة التي يعرفها المؤمنون منذ قرون: عن ربه ودينه ونبيه، ولا بمسؤوليته عن ماله، من أين اكتسبه وفيم أنفقه.
فإنك إن فعلت، قطعت عليه لذة الغفلة، وأفسدت عليه نشوة السلطة، وأعدته إلى حقيقة ظللت أعمل طويلًا على إبعاده عنها.
عند هذه النقطة، أدركت أن الشيطان لا يحتاج دائمًا إلى دفع الإنسان نحو الشر دفعًا مباشرًا؛ فقد يكفيه أن يغير أسماء الأشياء، وأن يجعل المجاملة واجبًا، والمصلحة الخاصة حقًا مكتسبًا، والمنصب غنيمة، والفساد ذكاءً، والتذكير بالمسؤولية إساءة إلى صاحبها.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمعات ليس مجرد وجود من يستغلون السلطة، بل أن تصبح المظاهر غطاءً للأفعال، وأن تتحول المجاملات إلى وسيلة لتكريس المصالح، وأن يُنظر إلى المسؤول باعتباره صاحب امتياز، لا حامل أمانة.
فالمناصب لا تمنح أصحابها حصانة من الحساب، والتعيين ليس شهادة على الاستقامة، كما أن العزل ليس بالضرورة عقوبة؛ فقد يكون هذا تكليفًا لمن يستحقه، وقد يكون ذاك نجاة لمن أدرك أن المسؤولية أكبر من قدرته على حملها.
وما بين التهنئة والتعزية، تظل الحقيقة واحدة: قيمة المنصب بما يقدمه صاحبه للناس، لا بما يجنيه لنفسه؛ وقيمة الإنسان بما يتركه من أثر، لا بما يجمعه من مال أو يحظى به من نفوذ.
أما الشيطان، فسيظل بارعًا في تزيين الباطل، وتغيير المسميات، وإقناع الناس بأن الطريق إلى مصالحهم يمر عبر التنازل عن مبادئهم.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرًا في ضمير كل مسؤول هو: حين تنتهي الولاية، وتُطوى صفحة السلطة، ويعود الإنسان إلى حجمه الحقيقي بعيدًا عن الحراس والمواكب والألقاب، ماذا سيبقى من سيرته؟ وماذا سيجد في صحيفته حين لا ينفعه جاه ولا مال، ولا تشفع له مجاملة ولا تهنئة؟
ذلك هو السؤال الذي يخشى الشيطان أن يُطرح، لأنه السؤال الذي يعيد الإنسان إلى الحقيقة التي يحاول الهروب منها.









