الأخبار العالمية

رضا بهلوي.. وريث عرش إيران الذي علق آماله على القوى الكبرى

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

في ظهر يوم 31 أكتوبر/تشرين الأول 1980، وقف شاب داخل إحدى غرف المكاتب في قصر القبة بالقاهرة، في اليوم الذي أتم فيه عامه العشرين. ارتدى بدلة رسمية زُيّنت بوسام بهلوي، ولم يحضر مراسم إعلانه سوى مصورين صحفيين اثنين. ثم تلا بيانا قال فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، ووفقا لدستور إيران وتعديلاته، أعلن اعتبارا من هذا اليوم، 31 أكتوبر 1980، استعدادي لتحمل المسؤوليات الكاملة ملكا شرعيا لإيران». بهذه الكلمات أعلن رضا بهلوي نفسه «رضا شاه الثاني».

لم يكن قد مضى على دفن والده في مسجد الرفاعي بالقاهرة سوى أقل من ثلاثة أشهر. وفي المسجد نفسه، رقد جده رضا شاه لسنوات، بعد وفاته في المنفى بجنوب أفريقيا عام 1944. أطاح غزو أجنبي بالجد من عرشه، وأعاد انقلاب مدعوم من الخارج الأب إلى السلطة قبل أن تطيح به الثورة الإيرانية، أما الحفيد فقد أعلن نفسه ملكا على بلد لم يكن قادرا على دخوله.

بعد 46 عاما، في يناير/كانون الثاني 2026، سمع رضا بهلوي، الذي بلغ الخامسة والستين، هتافات باسمه في شوارع مدن إيرانية. وردد محتجون خرجوا احتجاجا على ارتفاع الأسعار، قبل أن تتسع مطالبهم لتشمل إسقاط النظام، شعارات من قبيل «بهلوي سيعود». وبدا للحظة أن سنوات المنفى الطويلة قد تقترب من نهايتها.

لكن الحرب أعادت خلط الأوراق. ففي يونيو/حزيران، وبعد توقيع واشنطن مذكرة تفاهم مع طهران، أكد نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس أن الرئيس الأمريكي لم يقل قط إن هدفه تنصيب رضا بهلوي زعيما جديدا لإيران.

تحمل قصة الابن أصداء واضحة من تاريخ عائلته؛ فكلما اقترب أحد أفراد آل بهلوي من العرش عبر دعم القوى الكبرى، تبددت آماله عندما تبدلت حسابات تلك القوى. ولتفسير ما يواجهه رضا بهلوي، لا بد من العودة إلى العام الأخير من حياة والده.

عام الاستجداء.. ما شهده الوريث

في 16 يناير/كانون الثاني 1979، صعد محمد رضا بهلوي إلى طائرته في مطار مهرآباد متجها إلى أسوان، حيث استقبله الرئيس المصري أنور السادات. وكان ابنه رضا موجودا في الولايات المتحدة منذ ما قبل سقوط العرش، يتلقى تدريبات ليصبح طيارا مقاتلا. وبعد أسابيع، انتصرت الثورة الإيرانية في فبراير/شباط، وبدأت العواصم تغلق أبوابها أمام الشاه واحدة تلو الأخرى.

أمضى الشاه تسعة أشهر بصفته لاجئا غير مرغوب فيه، متنقلا بين البلدان، إلى أن أُبلغ بأن علاج سرطان الغدد الليمفاوية الذي أصابه لا يتوفر، بحسب ما قيل له، إلا في المستشفيات الأمريكية. وفي خريف 1979، وصل إلى نيويورك قادما من المكسيك.

كانت واشنطن قد تخلت عنه مع اندلاع الثورة، ثم وافقت على استقباله على مضض. وكان من أشد جوانب محنته إيلاما اضطراره إلى طلب تأشيرة للعلاج من الدولة التي خدمها طوال حكمه، وأنفق مليارات الدولارات على شراء أسلحتها، وسمح لأجهزتها الاستخباراتية باستخدام الأراضي الإيرانية لمراقبة خصومها.

جاءت الموافقة الأمريكية تحت ضغط وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر، الذي لعب دورا محوريا في العلاقات بين واشنطن وطهران لعقود، ورجل الأعمال ديفيد روكفلر، الذي ربطته بالشاه صداقة شخصية، إلى جانب شخصيات أخرى من النخبة الأمريكية رفضت التخلي عن حليفها السابق وهو يواجه المرض.

أُدخل الشاه جناحا خاصا في مستشفى «نيويورك-كورنيل»، وسُجّل ملفه الطبي باسم مستعار هو «ديفيد نيوسوم»، وهو اسم وكيل وزارة الخارجية الأمريكية آنذاك. وتلقى العلاج الكيميائي خلف ستائر ثقيلة، من دون أن يزوره أي مسؤول رفيع في إدارة الرئيس جيمي كارتر، أو تُلتقط له صورة رسمية توحي باستمرار العلاقة مع واشنطن.

لكن وجوده سرعان ما تحول إلى عبء سياسي على الإدارة الأمريكية. فقد تجمع طلاب إيرانيون معارضون أمام المستشفى، مرددين شعارات مناهضة للشاه، ثم جاءت الأزمة الأكبر في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 1979، عندما اقتحم طلاب إيرانيون السفارة الأمريكية في طهران، مطالبين بتسليم الشاه مقابل الإفراج عن الدبلوماسيين المحتجزين.

وأمام تصاعد الأزمة، سعت واشنطن إلى إخراجه من أراضيها بمجرد تحسن حالته الصحية نسبيا. وتولى هاميلتون جوردان، كبير موظفي البيت الأبيض، إقناعه بالانتقال إلى جزيرة كونتادورا في بنما، الدولة الواقعة ضمن دائرة النفوذ الأمريكي.

لكن الحكومة البنمية تعاملت مع وجوده بوصفه ورقة ضغط محتملة، وسط حديث عن مطالبة طهران بتسليمه. وفي مارس/آذار 1980، عاد الشاه إلى مصر، التي ظلت البلد الوحيد الذي أبقى أبوابه مفتوحة أمامه منذ مغادرته إيران.

وفي القاهرة، تنقل بين المستشفيات، وخضع في مستشفى المعادي العسكري لعملية جراحية لاستئصال الطحال. وفي فجر 27 يوليو/تموز 1980، توقف قلبه. لُف نعشه بالعلم الإمبراطوري الإيراني، وسار السادات في مقدمة جنازته العسكرية، قبل أن يُدفن في مسجد الرفاعي، حيث كان جثمان والده رضا شاه قد رقد بعد وفاته في المنفى بجنوب أفريقيا عام 1944، قبل نقله إلى إيران عام 1950.

حمل رضا الابن من تلك التجربة درسا سياسيا قاسيا: القوة التي ساعدت على تثبيت عرش والده هي نفسها التي أغلقت أبوابها في وجهه عندما أصبح وجوده مكلفا. وبعد نحو ثلاثة أشهر من الجنازة، وقف في قصر القبة بالقاهرة ليعلن نفسه ملكا على إيران.

إعلان من القاهرة وإرث من طهران

أعدت الإمبراطورة فرح ديبا إعلان ابنها بعناية، في محاولة لإضفاء طابع دستوري على انتقال العرش داخل الأسرة، والحفاظ على شرعية آل بهلوي في المنفى. وكانت فرح قد تمسكت بدور الوصية على العرش منذ وفاة زوجها، في مسعى للإبقاء على المطالبة الملكية قائمة رغم سقوط النظام.

وجدت هذه المحاولة تأييدا لدى قطاعات من النخب المتأثرة بالنموذج الغربي، التي تشكل وعيها في ظل إصلاحات الشاه والبعثات التعليمية إلى أوروبا والولايات المتحدة، فضلا عن شرائح من الطبقة الوسطى صدمها التحول الديني والسياسي الذي أعقب ثورة 1979.

ورأى هؤلاء في استعادة الملكية وسيلة لاسترجاع هوية قومية تستند إلى تاريخ فارس القديم، وصورة لإيران حديثة تشبه الدول الأوروبية في نمط الحياة والتوجهات الاجتماعية.

في المقابل، واجه الخطاب الملكي معارضة قوية من تيارات شاركت في الثورة الإيرانية، وفي مقدمتها قوى اليسار. ولم تنس هذه التيارات أن انقلاب عام 1953، المدعوم من الولايات المتحدة وبريطانيا، أعاد والد رضا بهلوي إلى العرش ومهّد لترسيخ حكمه المطلق.

وبمرور الوقت، تحول الانقلاب إلى ما يشبه «الخطيئة الأولى» في الذاكرة السياسية الإيرانية، وعزز صورة الأسرة باعتبارها مرتبطة بالقوى الخارجية. لذلك، بدا أي تحرك يقوده شاه في المنفى بدعم دولي، حتى لمن يعارضون النظام القائم في طهران، تكرارا لتجربة تُختزل فيها الإرادة الشعبية لحساب مصالح أجنبية.

غير أن جذور هذه النظرة أقدم من انقلاب 1953، إذ تعود إلى الطريقة التي وصلت بها الأسرة البهلوية إلى السلطة للمرة الأولى، ثم فقدت عرشها.

من البندقية إلى التاج.. الجد الذي يحمل اسمه

مع نهاية الحرب العالمية الأولى، لم تكن الأسرة البهلوية قد ظهرت بوصفها سلالة حاكمة، ولم يكن لها عرش. كان رضا خان، جد رضا بهلوي الذي يحمل اسمه، ضابطا في فرقة القوزاق التابعة للبلاط الإيراني، في عهد السلالة القاجارية التي حكمت البلاد منذ أواخر القرن الثامن عشر.

وكانت روسيا قد أسست فرقة القوزاق وأشرفت عليها، قبل أن يتراجع نفوذها المباشر عقب الثورة البلشفية عام 1917. وبعد عامين، وقّعت إيران وبريطانيا اتفاقية أثارت استياء قطاعات واسعة من الإيرانيين، إذ اعتُبرت محاولة لفرض وصاية بريطانية على مقدرات الدولة، كما أثارت اعتراض قوى أخرى رأت فيها سعيا بريطانيا إلى احتكار النفوذ في البلاد.

وفي ليلة 21 فبراير/شباط 1921، قاد رضا خان ما بين ثلاثة وأربعة آلاف جندي إلى طهران، وفق روايات تاريخية، مستغلا ضعف الدولة القاجارية. ودخلت قواته العاصمة من دون مقاومة تذكر، وأسقطت الحكومة في انقلاب لم يشهد مواجهات واسعة.

وبعد إحكام سيطرته، أُلغيت الاتفاقية البريطانية، ووُقعت معاهدة صداقة مع روسيا السوفياتية بهدف تأمين الحدود الشمالية للبلاد.

اعتمد رضا خان على خلفيته العسكرية لبناء سلطة مركزية قوية، ووحّد أجزاء واسعة من البلاد تحت حكم صارم. وفي 31 أكتوبر/تشرين الأول 1925، صوّت البرلمان على إنهاء حكم السلالة القاجارية، قبل أن يُتوّج رضا خان ملكا في أبريل/نيسان 1926، متخذا اسم «رضا شاه بهلوي» في محاولة لربط حكمه بإرث فارس التاريخي.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى