صحة

تغيرات دقيقة في شبكية العين قد تكشف الرجفان الأذيني قبل تشخيصه بأربع سنوات

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

قد تحمل صور شبكية العين مؤشرات تتجاوز أمراض الإبصار، إذ كشفت دراسة حديثة عن ارتباط تغيرات دقيقة في بعض طبقات الشبكية بالرجفان الأذيني، أحد أكثر اضطرابات نظم القلب شيوعا، مشيرة إلى أن هذه العلامات قد تظهر قبل تشخيص المرض سريريا بنحو أربع سنوات.

والرجفان الأذيني اضطراب في النشاط الكهربائي للحجرتين العلويتين للقلب، المعروفتين بالأذينين، يؤدي إلى عدم انتظام ضربات القلب وضعف كفاءة انقباضهما.

وقد يتسبب هذا الاضطراب في ركود الدم، خصوصا داخل الزائدة الأذينية اليسرى، مما يزيد احتمالات تكوّن الجلطات التي قد تنتقل إلى الدماغ وتؤدي إلى سكتة دماغية.

وتشير المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها إلى أن الرجفان الأذيني يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالسكتة الدماغية الإقفارية بنحو خمسة أضعاف، حتى بعد مراعاة عوامل الخطر المعتادة.

وتُظهر تقديرات العبء العالمي للمرض أن الرجفان الأذيني والرفرفة الأذينية أصابا نحو 52.55 مليون شخص حول العالم عام 2021. وتكمن إحدى أبرز مشكلات الرجفان الأذيني في احتمال مروره دون أعراض واضحة، رغم ارتباطه بزيادة مخاطر السكتة الدماغية وفشل القلب ومضاعفات أخرى.

وأوضحت دراسة نُشرت في دورية «PLOS Digital Health» في 10 سبتمبر/أيلول الماضي أن 62% من المصابين بالرجفان الأذيني لم يكونوا على علم بإصابتهم قبل التشخيص، كما أشارت إلى أن تغيرات في طبقة الخلايا الموجودة في الجزء الخلفي من العين قد تساعد على تحديد الأشخاص المعرضين للإصابة بالاضطراب قبل اكتشافه سريريا بمدة تصل إلى أربع سنوات.

ماذا كشفت صور شبكية العين؟

حلل الباحثون بيانات تصوير شبكية العين لأكثر من 90 ألف شخص ضمن مجموعتين بريطانيتين كبيرتين.

وضمت المجموعة الأولى، المستمدة من قاعدة بيانات «AlzEye» التابعة لمستشفى مورفيلدز للعيون، 50 ألفا و651 شخصا، بينهم 5375 مصابا بالرجفان الأذيني.

أما المجموعة الثانية، فاستندت إلى بيانات البنك الحيوي البريطاني، وشملت 39 ألفا و13 شخصا لم يكونوا مصابين بالاضطراب عند بدء المتابعة. وخلال فترة متابعة بلغ متوسطها أربع سنوات، شُخّص 838 منهم بالرجفان الأذيني.

واستخدم الباحثون التصوير المقطعي للتماسك البصري (OCT)، وهو فحص غير جراحي يعتمد على الضوء لإنتاج صور دقيقة لطبقات الشبكية، إلى جانب صور ملونة لقاع العين.

وأظهرت النتائج وجود اختلافات في عدة طبقات من الشبكية لدى المصابين بالرجفان الأذيني. وكان أبرز النتائج وأكثرها اتساقا انخفاض سمك الطبقة المركبة من الخلايا العقدية البقعية والضفيرية الداخلية (mGCIPL)، وهي طبقة عصبية تؤدي دورا مهما في نقل المعلومات البصرية من الشبكية إلى الدماغ.

ولفتت الدراسة إلى أن الأشخاص الذين لم يكونوا مصابين بالرجفان الأذيني وقت فحص العين، ثم شُخّصوا به لاحقا، كانت هذه الطبقة لديهم أرق في المتوسط قبل التشخيص السريري بنحو أربع سنوات.

وبعد مراعاة عوامل عدة، من بينها العمر والجنس وضغط الدم والسكري والتدخين واستهلاك الكحول، ارتبط كل انخفاض معياري في سمك هذه الطبقة بزيادة قدرها 27% في معدل الإصابة بالرجفان الأذيني لاحقا.

ولا تثبت هذه النتائج أن ترقق الشبكية يسبب الرجفان الأذيني، كما لا تعني أن فحص العين يمكنه تشخيص اضطراب القلب بمفرده. لكنها تشير إلى احتمال استخدام هذه التغيرات مستقبلا للمساعدة في تحديد الأشخاص الذين قد يحتاجون إلى تقييم إضافي لصحة القلب.

كيف يمكن للعين أن تكشف مؤشرات مرتبطة بالقلب؟

يوضح الدكتور إيهاب سعد عثمان، أستاذ طب وجراحة العيون بكلية طب جامعة القاهرة، أن الشبكية ترتبط ارتباطا وثيقا بالجهاز العصبي المركزي، كما أن أوعيتها الدموية الدقيقة تتيح للأطباء مراقبة آثار بعض الأمراض الجهازية في الدورة الدموية.

ويشير إلى أن أجهزة التصوير المقطعي للتماسك البصري تستطيع قياس سمك طبقات الشبكية بدرجة عالية من الدقة، الأمر الذي جعلها أداة مهمة في تشخيص أمراض العين ومتابعتها، بما في ذلك المياه الزرقاء وأمراض الشبكية والعصب البصري.

وتتألف الشبكية من طبقات مترابطة تنقل الإشارات التي تستقبلها الخلايا الحساسة للضوء إلى الخلايا العصبية، التي تعالج المعلومات البصرية وترسلها عبر العصب البصري إلى الدماغ.

ومن هنا تبرز أهمية النتائج الجديدة، إذ قد تعكس التغيرات المنتظمة في سمك بعض الطبقات العصبية آثارا مبكرة لاضطرابات في الدورة الدموية أو في وظائف الجسم، قبل أن تظهر علامات المرض بصورة واضحة.

من جانبه، يوضح الدكتور خالد فاروق، أستاذ طب الحالات الحرجة بكلية طب قصر العيني في جامعة القاهرة، أن الرجفان الأذيني قد يحدث على نحو متقطع، فتظهر النوبات ثم تختفي، وهو ما قد يجعل تخطيط القلب طبيعيا إذا أُجري في وقت لا يكون فيه الاضطراب نشطا.

ويضيف أن بعض المصابين لا يشعرون بأي أعراض، في حين يعاني آخرون خفقانا أو إرهاقا أو ضيق تنفس أو دوخة أو ألما في الصدر. وهذه الأعراض ليست خاصة بالرجفان الأذيني وحده، ما قد يجعل التعرف إلى المرض أكثر صعوبة.

الرجفان الأذيني.. اضطراب قد يبقى دون اكتشاف

لا يعني غياب الأعراض أن جميع المصابين يجهلون حالتهم، إلا أن ضعف الوعي بالمرض يظل تحديا مهما.

وفي مسح منفصل أجرته جمعية القلب الأمريكية عام 2025 وشمل 770 مريضا بالرجفان الأذيني، أفاد 62% من المشاركين بأنهم لم يكونوا يعرفون المرض قبل تشخيصهم به. وهذه النتيجة مستمدة من بحث توعوي مستقل، وليست من دراسة تصوير الشبكية نفسها.

وتكتسب إمكانية الكشف المبكر أهمية خاصة لأن العلاج قد يتضمن أدوية للتحكم في سرعة ضربات القلب أو تنظيم إيقاعها، إلى جانب مضادات التخثر للمرضى الذين تستدعي حالاتهم استخدامها للحد من خطر تكوّن الجلطات والإصابة بالسكتة الدماغية.

هل يمكن أن تترك الجلطات الدقيقة آثارا في الشبكية؟

طرح الباحثون تفسيرا محتملا للعلاقة بين الرجفان الأذيني وترقق طبقات الشبكية، يتمثل في احتمال أن تؤدي اضطرابات الدورة الدموية أو الانسدادات الدقيقة إلى تقليل تدفق الدم والأكسجين إلى بعض خلايا الشبكية، مما قد يفضي بمرور الوقت إلى فقدان جزء من الأنسجة العصبية.

غير أن هذا التفسير لا يزال فرضية تحتاج إلى مزيد من الدراسات، إذ لم تثبت النتائج أن الجلطات الدقيقة هي السبب المباشر للتغيرات التي رُصدت في الشبكية.

وتوجد مؤشرات أخرى على احتمال ارتباط صحة العين بالرجفان الأذيني ومضاعفاته. فقد وجدت دراسة سابقة شملت 169 مصابا بالرجفان الأذيني أن وجود آفات دقيقة مرتبطة بنقص التروية حول أوعية الشبكية (RIPLs) ارتبط بتاريخ سابق من السكتة الدماغية، حتى بعد ضبط بعض عوامل الخطر المعروفة، وبلغت نسبة الأرجحية 2.59.

لكن هذه النتيجة لا تعني أن تلك الآفات قادرة وحدها على التنبؤ بمن سيصاب بالسكتة الدماغية؛ فالدراسة كانت مقطعية ومحدودة الحجم نسبيا. ومع ذلك، فإنها تضيف إلى الأدلة التي تشير إلى أن الأوعية الدقيقة في الشبكية قد تحمل معلومات عن حالة الدورة الدموية في بقية الجسم.

وبينما تفتح هذه النتائج مجالا جديدا للبحث في دور تصوير العين في الكشف المبكر عن بعض الاضطرابات القلبية، فإن تحويل هذه المؤشرات إلى أداة فحص معتمدة يتطلب دراسات إضافية لتأكيد دقتها، وتحديد مدى قدرتها على التنبؤ بالمرض، وبيان كيفية الاستفادة منها إلى جانب الفحوص القلبية التقليدية.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى