ثقافة

الفساد الذي يسهل اجتثاثه: حين يصبح النائب رقيبًا وتاجرًا في آنٍ واحد

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

أقرّ رئيس الجمهورية بوجود الفساد وصعوبة مكافحته، وهي حقيقة لا يختلف عليها اثنان ممن يتابعون أحوال البلد. غير أن الفساد ليس كتلة واحدة يستحيل تفكيكها، ولا لغزًا يحتاج حلّه إلى معجزة؛ فثمة مستويات منه يمكن تضييق الخناق عليها بقرارات واضحة وإرادة جادة، وفي مقدمتها تضارب المصالح بين من يراقبون السلطة ومن يستفيدون من صفقاتها.

من أخطر أبواب الفساد أن يتحول بعض النواب، الذين يفترض أن يمارسوا الرقابة على الحكومة ومساءلتها، إلى مستفيدين من صفقات مؤسساتها. وهنا تنشأ معادلة مريبة: مسؤولون في السلطة التنفيذية يبررون منح الصفقات لبعض النواب بالعجز عن الصمود أمام ضغوطهم، ونواب يوظفون مكانتهم التشريعية للحصول على امتيازات تجارية، بينما قد تكون الحقيقة أبعد من مجرد الخضوع للضغط؛ إذ يمكن أن تتحول الصفقة إلى منفعة متبادلة، يتقاسم أطرافها الريع، وتُترك المصلحة العامة خارج الحسابات.

ولعل ما أثاره ظهور نائب برلماني إلى جانب الوزير الأول ووزيرة الصحة خلال زيارة لمرافق صحية يفتح بابًا مشروعًا للتساؤل، لا لإصدار الأحكام المسبقة. فقد أفاد شخص بأنه التقى هذا النائب في لاس بالماس بإسبانيا قبل انتخابه، حين كان يسعى إلى توريد أجهزة طبية إلى المستشفى الوطني، ويرجّح أنها كانت مستعملة. وإذا صحت هذه الرواية، وثبت أن للنائب مصالح تجارية في المجال نفسه، فإن السؤال يصبح ملحًّا: بأي صفة يحضر زيارة يُفترض أنها مخصصة لتفقد أوضاع المرضى والاستماع إلى معاناتهم؟ أيمثل الشعب ورقيبُه على الحكومة، أم يحضر أيضًا بصفته صاحب مصلحة محتملة في الأجهزة التي يجري تقييمها؟

وهل كانت الأجهزة التي سعى إلى توريدها جديدة أم مستعملة؟ وهل استوفت المواصفات الفنية والصحية المطلوبة؟ وهل ارتبطت بها صفقات عمومية، وما طبيعة العلاقة بين تلك الصفقات وأصحاب القرار؟ هذه أسئلة ينبغي أن تجيب عنها الوثائق والفحوص الفنية، لا الإشاعات ولا الصور وحدها.

إن محاربة هذا النوع من الفساد لا تتطلب إعلان حرب مفتوحة على الجميع، بل تحتاج إلى قواعد بسيطة وحازمة: إلزام المسؤولين والنواب بالتصريح بمصالحهم التجارية، ومنع تضارب المصالح في الصفقات العمومية، وإخضاع مشتريات الأجهزة الطبية لرقابة فنية ومالية مستقلة، ونشر تفاصيل العقود والموردين، وفرض الانسحاب من أي قرار تتقاطع فيه المسؤولية العامة مع المصلحة الخاصة، مع التحقيق والمحاسبة متى ظهرت أدلة على المخالفة.

فإذا كان الفساد صعب المكافحة حين تتشابك شبكاته وتتعدد مراكزه، فإن منع النائب من استغلال صفته للحصول على صفقة، ومنع المسؤول التنفيذي من منحه إياها تحت ضغط أو مقابل منفعة، ليس أمرًا مستحيلًا. بل إن تطبيق هذه القواعد بصرامة قد يكشف أن بعض ما يُقدَّم باعتباره عجزًا عن مواجهة الفساد ليس سوى غياب للضوابط، أو تساهل مع مصالح نافذة.

لا يجوز أن يكون النائب خصمًا وحكمًا، ولا أن تتحول الرقابة التشريعية إلى مظلة للمصالح التجارية. فالصفقة العمومية أمانة من أموال الشعب، والمستشفى ليس سوقًا لتصريف الأجهزة، والمريض ليس زبونًا في تجارة الألم. ومن أراد خدمة المواطنين فليبدأ باحترام حقهم في علاج آمن، وبإبعاد المال الخاص عن القرار العام.

حمادي أباتي

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى