حين يخطئ التكنيك السياسي اتجاهه: قراءة تفكيكية في شطحات بيرام وتناقضات خطابه

في العلوم السياسية، تُعرف الحكومات الإدارية والتكليفية بأنها الأدوات التنفيذية لنظام الرئاسة الموجهة، حيث يُشكل الاختيار الوزاري تجلياً سياسياً لرؤية رئيس الدولة باعتباره القائد الأعلى والحائز على المشروعية الدستورية والشعبية المباشرة.
ومن هذا المنطق المؤسسي المترسخ في فلسفة الدولة الحديثة، يأتي السجال الذي يحاول النائب بيرام ولد الداه ولد أعبيد إثارته مؤخراً ليشكل قراءة مبتورة ومتحيزة، تفتقر إلى إدراك آليات صنع القرار السياسي الداخلي، وتبدو في عمقها محاولة متأخرة لافتتاح سوق سياسي في الوقت بدل الضائع.
إن التشكيك في فلسفة الاختيار الحكومي والتركيز التبسيطي على الخلفيات المهنية للوزراء -تحديداً في قطاع الدفاع أو الشؤون الإسلامية- ينطوي على مغالطة منهجية في الفكر السياسي المعاصر.
فمنصب الوزير في كافة النظم السياسية والدستورية ليس منصباً تقنياً بحتاً، بل هو بالأساس منصب سياسي وتوجيهي عالي المستوى؛ فالوزارات لا تُدار بالخبرة الفردية للوزير وحدها، بل تتكئ على بيئة مؤسسية متراكمة وكوادر احترافية تترجم الخيارات السياسية إلى خطط إجرائية.
وفق هذا المنطق، فإن رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، وبحكم خلفيته العسكرية المرموقة وتجربته الاستثنائية الطويلة في أروقة المؤسسة العسكرية وصنع القرار الأمني، هو الأدرى بمتطلبات المرحلة وبطبيعة من يتولى الحقائب الوزارية بمختلف مجالاتها.
إن رئيس الدولة ليس مجرد مشرف إداري، بل هو القائد الأعلى للقوات المسلحة الذي يمتلك القراءة الشاملة للخارطة الجيوسياسية والأمنية بالمنطقة، وهو صاحب الهندسة الاستراتيجية للدفاع الوطني التي يتابع تنفيذها وإشرافها بصرامة وتجرد.
أما بخصوص وزارة الدفاع الوطني، فإن تاريخ العرف السياسي والدستوري الموريتاني والدولي يثبت إسناد هذه الحقيبة لشخصيات مدنية وسياسية مرموقة، دون أن يمس ذلك جوهر العقيدة الدفاعية أو يقلل من كفاءة التخطيط المؤسسي.
فالوزير يمثل التوجيه السياسي الحكومي، بينما تختص قيادة الأركان العامة للجيوش بوضع وتنفيذ الخطط العسكرية التكتيكية والتطويرية.
وهي القيادة التي تشهد اليوم، تحت الإشراف المباشر لرئيس الجمهورية وبسهر دؤوب من قائد الأركان العامة للجيوش الفريق محمدفال ولد الرايس ،وفريقه القيادي المحترف، طفرة غير مسبوقة في التحديث والتطوير، جعلت من قواتنا المسلحة نموذجاً إقليمياً في الجاهزية والاحترافية ومواكبة أحدث التطورات العالمية في مجال الدفاع.
من هنا، تتضح هشاشة الطرح الذي يقدمه النائب بيرام، والذي يأتي كمن يحاول التغريد خارج الميدان.
إن خروج هذا المقال في هذا التوقيت بالذات لا يمكن فصله عن حالة الانزواء السياسي التي وجد النائب نفسه فيها؛ فبعد أن أجمعت أطياف المشهد السياسي الوطني -أغلبية ومعارضة- على خيار الحوار الوطني الشامل والمسؤول، وجد المعني نفسه خارج دائرة التأثير الفعلي. ولأن منهجه القائم على خطابات الشحن والإثارة لزحزحة الاستقرار وخلق الفوضى قد فشل في تحقيق أجنداته وخدمة الرغبات الخارجية الداعمة له، لم يبق أمامه سوى محاولة لفت الانتباه وتأزيم المشهد عبر التشويش على الفريق الحكومي الجديد.
لكن الممارسة السياسية الرشيدة لا تُبنى على محاولات التشويش العابرة.
إن التشكيلة الحكومية الحالية تعمل تحت بوصلة برامجية واضحة ومحددة، ينفذها الفريق الوزاري تحت الإشراف المباشر لمنسق العمل الحكومي، الوزير الأول المختار ولد اجاي، الذي يعمل بحزم ومتابعة ميدانية دقيقة لضمان سير الخدمات وإنجاز الخطط التنموية لصالح المواطن.
إن تقييم الحكومات وبناء الدول لا يدار بالانطباعات العاطفية أو المزايدات الإعلامية المستهلكة،
بل بالمخرجات والنتائج الواقعية على الأرض.
ومحاولة بيرام تسويق مقاله بصفة صوت الشعب الموريتاني مجرد ادعاء افتراضي تجافيه الحقائق الشاخصة.
فالدولة الموريتانية اليوم تخطو بثبات نحو ترسيخ دولة المؤسسات والحكامة الرشيدة، غير أبهة بمحاولات التعطيل أو خطابات التأزيم التي بات الفرد الموريتاني يدرك مراميها وخلفياتها المفلسة.
بقلم جالو امادو كورل المنسق الوطني
لأصدقاء الرئيس غزواني








