صحة

دراسة تكشف أسرار مركبات في حبوب لقاح الجاودار قد تمهد لتطوير علاجات جديدة للسرطان

لطالما شكلت الطبيعة مصدرا رئيسيا لاكتشاف العديد من الأدوية التي أحدثت تحولا في عالم الطب، إذ خرجت منها مركبات علاجية بارزة مثل المورفين المستخلص من نبات الخشخاش، وعقار “تاكسول” المستخدم في علاج بعض أنواع السرطان والمستخرج لأول مرة من شجرة الطقسوس، إضافة إلى أدوية الستاتينات الخافضة للكوليسترول التي تعود أصولها إلى مركبات اكتشفت في الفطريات. إلا أن تحويل أي مركب طبيعي إلى دواء معتمد يتطلب سنوات طويلة من الأبحاث والتجارب الدقيقة.

حبوب لقاح الجاودار تعود إلى دائرة الاهتمام العلمي

ومن بين المركبات الطبيعية التي أثارت اهتمام الباحثين منذ عقود، تبرز مركبات تعرف باسم “سيكالوسايدس إيه وبي” (Secalosides A وB)، الموجودة في حبوب لقاح الجاودار، والتي أظهرت قبل نحو 30 عاما نتائج أولية واعدة في تجارب أجريت على الحيوانات، حيث بدت قادرة على إبطاء نمو بعض الأورام أو تعزيز قدرة الجسم على مقاومتها.

لكن الأبحاث توقفت في ذلك الوقت بسبب عدم تمكن العلماء من تحديد البنية ثلاثية الأبعاد الدقيقة لهذه الجزيئات، وهي خطوة أساسية لفهم طريقة عملها داخل الجسم وتطويرها إلى أدوية محتملة.

وتعد البنية الفراغية للجزيئات عاملا حاسما في فعاليتها، إذ إن اختلافا بسيطا في الشكل قد يمنع المركب من الارتباط بالهدف البيولوجي المطلوب، تماما كما لا يمكن استخدام القفاز نفسه لكلتا اليدين رغم تشابههما.

نجاح في كشف البنية الكيميائية للمركبات

وفي دراسة حديثة نشرتها منصة “ساينس ديلي”، أعلن فريق من الكيميائيين في جامعة نورث وسترن الأمريكية نجاحه في حل هذا اللغز العلمي باستخدام تقنية تعرف باسم “التخليق الكلي”، وهي عملية يتم خلالها تصنيع الجزيء بالكامل داخل المختبر بدلا من استخلاصه مباشرة من النبات.

وبعد تصنيع عدة نماذج ومقارنتها بالمركبات الطبيعية، تمكن الباحثون لأول مرة من تحديد البنية الصحيحة لمركبي “سيكالوسايدس إيه وبي”.

وأوضح الباحثون أن المهمة لم تكن سهلة، لأن المركبين يحتويان على حلقة كيميائية نادرة مكونة من عشر ذرات، تتميز بعدم الاستقرار وصعوبة تكوينها. وللتغلب على هذه العقبة، بدأ الفريق بتصنيع حلقة أكبر وأكثر مرونة، ثم استخدم سلسلة من التفاعلات الكيميائية لتحويلها إلى الحلقة الأصغر المطلوبة، وهو إنجاز يفتح الباب أمام تصميم نسخ معدلة من هذه المركبات ودراسة خصائصها بصورة أوسع.

إنجاز علمي لا يعني وجود علاج جاهز

ورغم أهمية هذه النتائج، يؤكد الباحثون أن الدراسة لا تعني التوصل إلى علاج جديد للسرطان، كما لا تشير إلى أن تناول مكملات حبوب لقاح الجاودار يمكن أن يعالج الأورام.

وتستخدم مستخلصات حبوب لقاح الجاودار بالفعل كمكملات غذائية لدعم صحة البروستاتا، إلا أنها ليست علاجا معتمدا للسرطان، ولا ينبغي استخدامها بديلا عن العلاجات الطبية المعروفة.

وتكمن القيمة الحقيقية للدراسة في أنها توفر للعلماء خريطة دقيقة لفهم كيفية تفاعل هذه المركبات مع الجهاز المناعي والخلايا السرطانية، مما قد يساعد مستقبلا على تطوير مركبات أكثر فعالية واستقرارا وأفضل امتصاصا داخل الجسم.

رحلة طويلة قبل الوصول إلى دواء جديد

ويأتي هذا الاكتشاف في وقت لا يزال فيه السرطان أحد أبرز أسباب الوفاة عالميا، إذ تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أنه تسبب في نحو 10 ملايين حالة وفاة خلال عام 2024، فيما تصدرت سرطانات الرئة والثدي والقولون والمستقيم والبروستاتا قائمة أكثر الأنواع انتشارا.

ورغم الآمال التي تفتحها مثل هذه الاكتشافات، فإن الطريق نحو تطوير علاج جديد لا يزال طويلا، إذ يتطلب المرور بمراحل متعددة تشمل تقييم سلامة المركبات، واختبار سميتها، وتحديد الجرعات المناسبة، ودراسة قدرتها على استهداف الأورام دون الإضرار بالخلايا السليمة، قبل الانتقال إلى التجارب السريرية على البشر واعتمادها للاستخدام الطبي.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى