تكنولوجيا

الخليج يدخل حرب الرقائق.. هل تنجح السعودية والإمارات في كسر احتكار أشباه الموصلات؟

لم تعد أشباه الموصلات مجرد مكونات إلكترونية صغيرة داخل الهواتف والحواسيب، بل تحولت إلى أحد أهم الأصول الإستراتيجية في العالم الحديث، حتى باتت توصف بأنها “النفط الجديد” الذي تتحكم عبره الدول في الاقتصاد والتكنولوجيا والقوة العسكرية.

فالرقاقة التي لا يتجاوز قطرها 12 بوصة أصبحت تتحكم في مسارات الذكاء الاصطناعي، وأنظمة الدفاع، والسيارات الحديثة، والطائرات، والبنية الرقمية العالمية، وهو ما جعل السيطرة على تصنيعها وتصميمها جزءا من صراع النفوذ الدولي بين القوى الكبرى.

ويشرح الكاتب الأمريكي Chris Miller هذا التحول في كتابه Chip War، معتبرا أن أشباه الموصلات أصبحت المورد الأكثر حساسية في الاقتصاد العالمي، وسط سباق محموم بين الدول لبناء قدرات محلية تقلل الاعتماد على الخارج.

سلاسل إمداد هشة تهدد الصناعة العالمية

رغم التقدم الهائل الذي حققته الصناعة، فإن سلاسل الإمداد العالمية لأشباه الموصلات ما تزال شديدة الهشاشة، وتعتمد على عدد محدود من الدول والممرات الحيوية.

وتتمركز القدرات التصنيعية المتقدمة بشكل رئيسي في Taiwan، بينما تعتمد دول صناعية كبرى مثل South Korea على تدفق مواد خام وغازات نادرة من الخارج، أبرزها الهيليوم المستخدم في عمليات تصنيع الرقائق الدقيقة.

وتبرز هنا أهمية الخليج، خاصة Qatar، باعتباره أحد المنتجين الرئيسيين للهيليوم عالميا، ما يجعل أي اضطراب أمني أو لوجستي في المنطقة قادرا على إرباك صناعة الرقائق بأكملها.

كما تمر نسبة ضخمة من شحنات الطاقة والبتروكيماويات عبر Strait of Hormuz، وهو ما يربط استقرار صناعة التكنولوجيا العالمية باستقرار المنطقة جيوسياسيا.

السعودية والإمارات تدخلان السباق

في ظل هذه التحولات، بدأت دول الخليج، وعلى رأسها Saudi Arabia وUnited Arab Emirates، التحرك لبناء موطئ قدم داخل قطاع أشباه الموصلات.

ويأتي ذلك بالتزامن مع الانفجار العالمي في الطلب على رقائق الذكاء الاصطناعي، التي تعتمد عليها شركات مثل Meta وGoogle وMicrosoft لتشغيل النماذج المتقدمة وأنظمة الحوسبة الضخمة.

وتشير تقديرات سوقية إلى أن سوق أشباه الموصلات في السعودية تجاوز 4 مليارات دولار خلال عام 2024، مع توقعات بنموه بشكل متسارع حتى نهاية العقد الحالي، مدفوعا بالتوسع في قطاعات الذكاء الاصطناعي والدفاع والاتصالات والطاقة.

وفي هذا الإطار، تعمل الرياض على إنشاء مركز وطني لأشباه الموصلات يهدف إلى جذب شركات تصميم الرقائق وتدريب آلاف المهندسين، ضمن خطط مرتبطة بـSaudi Vision 2030 لتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط.

كما تسعى المملكة إلى توسيع شراكاتها مع شركات عالمية مثل Intel وQualcomm وSamsung Electronics وNVIDIA، بهدف بناء منظومة تقنية محلية تشمل التصميم والبحث والتطوير وربما التصنيع مستقبلا.

لماذا تبدو المهمة شديدة التعقيد؟

رغم الإمكانات المالية الضخمة، فإن دخول عالم أشباه الموصلات ليس مهمة سهلة، لأن الصناعة تعد من أكثر الصناعات تعقيدا في العالم.

فبناء مصنع متقدم لإنتاج الرقائق قد يتطلب استثمارات تتراوح بين 15 و20 مليار دولار للمصنع الواحد، إلى جانب بنية تحتية هائلة تشمل الطاقة والمياه فائقة النقاء وسلاسل التوريد والخبرات الهندسية المتخصصة.

كما أن الصناعة لا تعتمد فقط على المال، بل على تراكم معرفي وتقني استغرق عقودا لدى مراكز تقليدية مثل Taiwan وUnited States وSouth Korea.

وتواجه الدول الجديدة الداخلة إلى القطاع تحديات إضافية، من بينها نقص الكفاءات البشرية، وتعقيد سلسلة القيمة، والقيود الجيوسياسية المفروضة على تصدير التقنيات المتقدمة، خاصة مع تصاعد التنافس الأمريكي الصيني.

من الاستهلاك إلى السيادة التقنية

مع ذلك، يرى خبراء أن طموحات الخليج لا تستهدف بالضرورة منافسة العمالقة مباشرة في المدى القصير، بل بناء موقع تدريجي داخل سلاسل القيمة العالمية، بدءا من التصميم والتغليف والخدمات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.

كما تمتلك المنطقة بعض عناصر القوة المهمة، مثل وفرة الطاقة، والقدرة التمويلية، والموقع الجغرافي، إلى جانب الطلب المتزايد على البنية الرقمية.

وفي عالم أصبحت فيه الرقائق الإلكترونية جزءا من الأمن القومي والاقتصاد والحروب الحديثة، لم يعد السؤال ما إذا كانت دول الخليج ستدخل هذا السباق، بل إلى أي مدى يمكنها تحويل ثروتها النفطية إلى نفوذ تكنولوجي طويل الأمد داخل واحدة من أكثر الصناعات حساسية في العالم.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى