الأهمية الصحية لتناول التمر أثناء إفطار الصائم

في شهر رمضان، لا يُقاس الفطور بكثرة الأصناف وتنوعها، بل بمدى انسجامه مع فسيولوجيا الجسد بعد ساعات طويلة من الانقطاع عن الطعام والشراب. فالصائم، من منظور علم التغذية، يخرج من حالة صيامٍ استمر ما بين 12 إلى 16 ساعة – وأحيانًا أكثر – يكون خلالها مستوى سكر الدم قد انخفض، ومخزون الغليكوجين الكبدي قد استُهلك جزئيًا، ويكون الجهاز الهضمي في حالة سكون نسبي. لذلك فإن الطريقة التي يُكسر بها الصوم ليست مسألة عادات، بل مسألة استجابة بيولوجية دقيقة.
علميًا، يُعدّ بدء الإفطار بتمرات قليلة مع رشفات ماء خيارًا متوازنًا من حيث التأثير الأيضي. فالتمر يحتوي على سكريات بسيطة طبيعية، خصوصًا الغلوكوز والفركتوز، وهي سكريات سريعة الامتصاص ترفع مستوى سكر الدم تدريجيًا دون إحداث قفزة حادة إذا تم تناولها باعتدال. كما أن التمر غني بالبوتاسيوم والمغنيسيوم والألياف، وهي عناصر تساهم في تعويض جزء من الفاقد أثناء الصيام ودعم استقرار الجهاز العصبي والعضلي.
أما الماء، فهو أول احتياج حيوي بعد ساعات الامتناع، إذ يعيد التوازن المائي، ويحسّن لزوجة الدم، ويهيّئ المعدة لاستقبال الطعام دون إحداث صدمة هضمية. الدراسات الفسيولوجية تشير إلى أن إدخال كميات كبيرة من الطعام دفعة واحدة بعد الصيام يؤدي إلى تمدد مفاجئ في المعدة، وتحفيز مفرط لإفراز الإنسولين، ما قد يسبب شعورًا بالخمول والامتلاء واضطراب الهضم. في المقابل، الإفطار التدريجي يتيح للجسم إعادة تنشيط إنزيماته الهضمية بصورة متدرجة ومتوازنة.
كما أن الألياف الموجودة في التمر تُبطئ امتصاص السكر نسبيًا، ما يحد من الارتفاع الحاد في الغلوكوز، خاصة عند الاكتفاء بواحدة إلى ثلاث تمرات، وهو ما يتماشى مع مبادئ التغذية الوقائية التي تدعو إلى تجنب الحمل السكري المرتفع عند بدء الوجبة.
والتقوى في هذا السياق ليست فقط مفهومًا تعبديًا، بل سلوكٌ انضباطيٌّ يعكس وعيًا بقيمة الاعتدال. فالإفراط في المأكولات الدسمة والمقلية فور الأذان يُحوّل الصيام من عبادة تهذيب إلى عبء استقلابي. بينما البدء بالتمر والماء ثم التمهل قبل تناول وجبة متوازنة – تحتوي على بروتين معتدل، وكربوهيدرات معقدة، وخضروات – ينسجم مع التوصيات الحديثة التي تدعو إلى حماية الجهاز الهضمي وتنظيم سكر الدم.
الصائم ليس “غولًا” يلتهم ما أمامه عند الغروب، بل إن جسده في تلك اللحظة يكون في حاجة إلى تعويضٍ حكيم لا إلى اندفاع. والاعتدال هنا ليس شعارًا أخلاقيًا فحسب، بل قاعدة علمية راسخة: التدرج في الإفطار يحفظ توازن الجسد، ويجعل من الصيام تجربة روحية وصحية في آنٍ واحد.









