ثقافة

قراءة في المسار العلمي والدعوي للشيخ محمد ولد سيدي يحيى


تمهيد: بين المرجعية الشرعية وسؤال الإصلاح
يمثل الشيخ محمد ولد سيدي يحيى أحد أبرز الأصوات الدعوية في موريتانيا خلال العقود الأخيرة، حيث ارتبط اسمه بخطاب ديني إصلاحي يتأسس على المرجعية السنية المالكية، ويجمع بين الوعظ الأخلاقي والاشتغال بقضايا الشأن العام. وقد تميز حضوره بوضوح الطرح، واستقلالية الموقف، والانخراط في همّ المجتمع بعيداً عن الحسابات السلطوية أو المكاسب الظرفية.
هذه المقالة تسعى إلى تقديم قراءة تحليلية في مشروعه الدعوي، من خلال تفكيك مرتكزاته الفكرية، وأدواته البلاغية، وتأثيره المجتمعي.
أولاً: التكوين العلمي والمرجعية المعرفية
ينتمي الشيخ إلى البيئة المحظرية الموريتانية التي تقوم على الحفظ، والتحصيل المتدرج في علوم الشريعة واللغة. وقد انعكس هذا التكوين في خطابه الذي يتسم بـ:
رسوخ فقهي مستند إلى أصول المذهب المالكي.
استحضار النصوص الحديثية في سياقاتها الاستدلالية.
توظيف اللغة العربية بأسلوب وعظي رصين يجمع بين البيان والاحتجاج.
هذا التأسيس العلمي مكّنه من مخاطبة مختلف الشرائح، من العامة إلى طلبة العلم، بلغة تتسم بالوضوح دون تفريط في العمق.
ثانياً: الدعوة بوصفها وظيفة إصلاحية شاملة
لا تنحصر دعوته في البعد التعبدي المحض، بل تتجاوز ذلك إلى مفهوم شامل للإصلاح يرتكز على ثلاثة محاور مركزية:

  1. إصلاح الفرد
    يركز خطابه على:
    محاسبة النفس.
    التوبة والإنابة.
    تهذيب السلوك وربطه بالمرجعية الشرعية.
    ويُلاحظ أن البعد الأخلاقي يشكل العمود الفقري في خطبه، حيث يعالج أمراض القلوب قبل اختلالات الواقع.
  2. إصلاح المجتمع
    يدعو إلى:
    نشر العلم الشرعي.
    تعظيم مكانة العلماء والمؤسسات العلمية.
    تحصين المجتمع من التفكك القيمي.
    كما يحذر من الذوبان الثقافي غير المنضبط في سياق العولمة، معتبراً أن الجهل يمثل الثغرة الأخطر في أي مجتمع.
  3. إصلاح السلطة بالصدع بالحق
    من أبرز ملامح خطابه جرأته في توجيه النصح للحكام. وقد اشتهر بتوصيفه الساخر لبعض العلماء المقربين من السلطة بـ”علماء بنافه”، في إشارة بلاغية إلى من يسبقون موائد السلاطين طمعاً في الجاه أو المال، بما يضعف قدرتهم على قول كلمة الحق.
    هذا التوصيف لا يُفهم في سياق شخصي، بل في إطار نقد بنيوي لعلاقة العلم بالسلطة، حيث يرى أن استقلالية العالم شرطٌ لمصداقية الخطاب الديني.
    ثالثاً: الأشرطة والمحاضرات كأداة تأثير عابر للحدود
    أسهمت التسجيلات الصوتية والمرئية في توسيع نطاق تأثيره، داخل موريتانيا وخارجها، خصوصاً في غرب إفريقيا. وقد امتازت محاضراته بـ:
    بناء منطقي يبدأ بالتأصيل النصي وينتهي بالتطبيق الواقعي.
    لغة خطابية مؤثرة تعتمد التذكير بالآخرة.
    معالجة قضايا معاصرة من منظور شرعي تقليدي منضبط.
    وهكذا تحولت مادته الدعوية إلى مرجع وعظي متداول في المساجد والتجمعات العلمية.
    رابعاً: مفهوم التحصين الثقافي في مواجهة العولمة
    يرى الشيخ أن العولمة ليست شراً مطلقاً، لكنها تصبح خطراً حين تدخل مجتمعات غير متعلمة أو ضعيفة الهوية. لذلك دعا إلى:
    تعميم التعليم الشرعي.
    إحياء المرجعية المحظرية.
    ترسيخ الاحترام للعلماء ومؤسساتهم.
    ويعتبر أن مجتمعاً متعلماً هو مجتمع قادر على الانتقاء الواعي، لا الاستلاب.
    خامساً: بين الدعوة والسلم المجتمعي
    من السمات البارزة في خطابه أنه يجمع بين الصراحة والحرص على الاستقرار. فهو ينتقد، لكنه لا يؤسس لخطاب فوضوي؛ ويعارض، لكنه لا يدعو إلى الصدام. هذه المعادلة جعلت خطابه إصلاحياً أكثر منه احتجاجياً.
    خاتمة: عالم رباني في سياق دولة حديثة
    يمكن قراءة تجربة الشيخ محمد ولد سيدي يحيى بوصفها محاولة لإعادة تعريف دور العالم في الدولة الوطنية المعاصرة: ليس تابعاً للسلطة، ولا معزولاً عن الشأن العام، بل فاعلاً أخلاقياً يمارس وظيفة البيان والنصح.
    إن مشروعه الدعوي، في جوهره، يقوم على ثلاثية: العلم، والصدق، والاستقلالية. وهي عناصر تجعل منه نموذجاً للعالم الذي يسعى إلى إصلاح الفرد والمجتمع معاً، مع الحفاظ على توازن دقيق بين الجرأة والحكمة.
    وإذا كان مستقبل المجتمعات مرهوناً بقدرتها على إنتاج نخب علمية مستقلة، فإن التجربة الدعوية للشيخ تقدم مثالاً لفاعلية الصوت الديني حين يتحرر من الإكراهات السلطوية ويتجه إلى بناء الإنسان أولاً.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى