مدن وبلدان
مدينة بغداد في العصر الحديث

شهدت بغداد، منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في عشرينيات القرن العشرين، مسارًا مركبًا من التحولات الاقتصادية والعمرانية والسياسية، اتسم بالتداخل بين مشروع الدولة المركزية الريعية، والتحولات الجيوسياسية الإقليمية، وتقلبات النظام الدولي. ويمكن مقاربة هذه التحولات عبر ثلاث مراحل كبرى: مرحلة الدولة الملكية والتمدين المبكر، مرحلة الجمهورية والاقتصاد النفطي المُمركز، ثم مرحلة ما بعد 2003 وإعادة تشكيل الدولة والمجال الحضري.
أولًا: التحول الاقتصادي وبنية الدولة الريعية
- من اقتصاد تقليدي إلى دولة نفطية مركزية
مع اكتشاف النفط وتزايد عائداته منذ خمسينيات القرن الماضي، تحولت بغداد إلى القلب الإداري والمالي للدولة الريعية العراقية. تركزت فيها الوزارات، والمصارف الكبرى، والمؤسسات السيادية، ما عزز من نزعة المركزية الاقتصادية. وفي سبعينيات القرن العشرين، خاصة بعد تأميم النفط عام 1972، شهدت المدينة طفرة إنفاق عام غير مسبوقة انعكست على البنية التحتية، والتعليم، والخدمات الصحية. - سنوات الحرب والعقوبات
أدت الحرب العراقية-الإيرانية (1980–1988)، ثم حرب الخليج الثانية (1991)، إلى استنزاف الموارد وتآكل البنية الاقتصادية. وجاءت العقوبات الدولية في التسعينيات لتفاقم الانكماش الاقتصادي، حيث شهدت بغداد تراجعًا حادًا في القوة الشرائية، وانهيارًا في الخدمات العامة، وظهور اقتصاد ظلّ غير رسمي قائم على التحايل والتكيف. - ما بعد 2003: اقتصاد مفتوح وتحديات هيكلية
بعد سقوط النظام البعثي، دخل الاقتصاد العراقي مرحلة إعادة هيكلة نحو نموذج أكثر انفتاحًا، مع تدفق شركات أجنبية واستثمارات محدودة في قطاعات البناء والطاقة والاتصالات. غير أن هشاشة البيئة الأمنية، وضعف الحوكمة، والاعتماد المستمر على الريع النفطي، حدّت من تنويع القاعدة الإنتاجية. ورغم ذلك، شهدت بغداد توسعًا في قطاع الخدمات، والمصارف الأهلية، ومشاريع المجمعات السكنية، ومراكز التسوق الحديثة.
ثانيًا: التحولات العمرانية وإعادة تشكيل الفضاء الحضري - التخطيط الملكي وبواكير الحداثة
منذ الثلاثينيات، شهدت بغداد محاولات لتحديث تخطيطها العمراني، بالاستعانة بمهندسين عالميين، من أبرزهم اليوناني قسطنطين دوكسيادس، الذي وضع تصورات لتوسيع المدينة وفق رؤية وظيفية حديثة. وظهرت أحياء منظمة مثل المنصور، والكرادة، والوزيرية، والأعظمية، مع توسع شبكات الطرق والجسور. - الطفرة العمرانية في السبعينيات
في ذروة العائدات النفطية، أُنشئت مشاريع كبرى مثل جامعة بغداد بحلتها الحديثة، ومطار بغداد الدولي، ومجمعات سكنية واسعة، إضافة إلى الجسور الحيوية (كجسر 14 تموز والجسر المعلق). كما شُيّدت معالم رمزية ذات بعد أيديولوجي، مثل نصب الشهيد، ونصب الجندي المجهول، وقوس النصر، في إطار إنتاج رمزية بصرية تعزز خطاب الدولة. - التدهور ثم إعادة الإعمار بعد 2003
تعرضت البنية التحتية لدمار واسع جراء الحروب والعمليات العسكرية. وبرزت ظاهرة “التحصين العمراني” عبر الجدران الكونكريتية التي أعادت تشكيل الفضاء العام وأنتجت جغرافيا أمنية مجزأة.
إلا أن السنوات اللاحقة شهدت مشاريع إعادة تأهيل، مثل تطوير شارع الرشيد، وإعادة إحياء ساحة التحرير، ومشاريع استثمارية في مناطق زيونة والجادرية والكرادة، إضافة إلى مجمعات سكنية حديثة ومولات تجارية تعكس تحولات في نمط الاستهلاك الحضري.
ثالثًا: التحولات السياسية وبنية السلطة - من الملكية إلى الجمهورية
كانت بغداد مركز القرار السياسي منذ تأسيس المملكة العراقية عام 1921. ومع ثورة 14 تموز 1958، دخلت المدينة مرحلة الجمهوريات والانقلابات العسكرية، لتصبح مسرحًا دائمًا للصراع على السلطة. - مرحلة الحكم البعثي (1968–2003)
اتسمت هذه المرحلة بمركزية شديدة في القرار السياسي، وهيمنة الحزب الواحد، وتعزيز الأجهزة الأمنية. تحولت بغداد إلى عاصمة ذات طابع رمزي مكثف، تُستخدم فيها العمارة والنصب التذكارية لإنتاج خطاب القوة والسيادة.
ورغم الطابع السلطوي، شهدت المدينة في السبعينيات توسعًا في التعليم العالي والمؤسسات الثقافية. - ما بعد 2003: التعددية الهشة
دخلت بغداد مرحلة إعادة تشكيل للنظام السياسي وفق نموذج تعددي برلماني. غير أن الانقسام الطائفي، وظهور الفاعلين غير الدولتيين، وتحديات بناء المؤسسات، جعلت المدينة بؤرة للتجاذبات السياسية.
ورغم ذلك، برزت فيها مساحات احتجاج مدني، كما في حراك ساحة التحرير (2019)، الذي أعاد تعريف المجال العام بوصفه فضاءً للمطالبة بالإصلاح والمساءلة.
رابعًا: بغداد السياحية – قبل وبعد 2003
قبل سقوط النظام البعثي
رغم القيود السياسية، كانت بغداد تحتفظ بمكانة سياحية ثقافية ودينية، ومن أبرز معالمها:
شارع الرشيد: القلب التجاري والتاريخي للمدينة.
المدرسة المستنصرية: أحد أقدم الصروح العلمية في العالم الإسلامي.
مرقد الإمام موسى الكاظم في الكاظمية.
مرقد الشيخ عبد القادر الجيلاني في الرصافة.
حدائق الزوراء وحديقة الحيوانات.
جزيرة بغداد السياحية.
المتحف العراقي الذي يضم كنوز الحضارات الرافدية.
كانت السياحة ذات طابع ثقافي وديني بالأساس، مع حضور محدود للسياحة الأجنبية نتيجة الحصار.
بعد 2003
تأثرت السياحة بشدة بسبب التدهور الأمني، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحسنًا نسبيًا، وعودة بعض النشاط السياحي الداخلي والديني، ومن أبرز المواقع:
إعادة افتتاح المتحف العراقي واستعادة عدد من القطع الأثرية.
تطوير كورنيش أبي نؤاس على ضفاف دجلة.
إحياء شارع المتنبي كمركز ثقافي للكتاب والنشر.
ساحة التحرير ونصب الحرية كرمز للحراك المدني.
المجمعات التجارية الحديثة مثل بغداد مول والمنصور مول.
تأهيل مناطق تراثية في الأعظمية والكرادة والكاظمية.
وأصبحت السياحة الدينية، خصوصًا في الكاظمية، عنصرًا مهمًا في الحركة الاقتصادية المحلية.
خلاصة تحليلية
إن بغداد الحديثة تمثل نموذجًا لمدينة تشكّلت ضمن إطار دولة ريعية مركزية، تأثرت بشدة بدورات العنف الجيوسياسي والتحولات البنيوية للنظام السياسي. وبينما أعاقت الصراعات قدرتها على تحقيق تنمية مستدامة، فإنها ما تزال تمتلك مقومات حضرية وثقافية واقتصادية تؤهلها لاستعادة دورها كمركز إقليمي فاعل، إذا ما توافرت بيئة سياسية مستقرة، وحوكمة رشيدة، ورؤية تنموية طويلة الأمد.
بهذا المعنى، تظل بغداد مدينة تتأرجح بين إرث إمبراطوري عريق، وواقع معاصر يسعى إلى إعادة تعريف ذاته ضمن تحولات الدولة والمجتمع في القرن الحادي والعشرين.









