من فتور إلى تقارب.. كيف أعادت إدارة ترمب رسم خريطة العلاقات بين واشنطن وإسلام أباد ونيودلهي؟

شهدت العلاقات الأميركية مع كل من باكستان والهند تحولات دراماتيكية خلال العام الأول من الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب، في مشهد عاكس التوقعات التي سادت مطلع 2025. فبينما كان يُعتقد أن نيودلهي ستظل الشريك الآسيوي المفضل لواشنطن، برزت إسلام أباد فجأة بوصفها أحد أبرز المستفيدين من إعادة ترتيب الأولويات الأميركية.
بداية متوترة مع باكستان
لم تكن العلاقة بين ترمب وباكستان خالية من التوتر. ففي ولايته الأولى جمّد مساعدات أمنية لإسلام أباد، متهمًا إياها بالتقصير في مكافحة الإرهاب. كما عكست زيارة رئيس الوزراء الباكستاني السابق عمران خان إلى واشنطن عام 2019 أجواءً باردة، بعد جدل أُثير حول طبيعة الاستقبال الرسمي آنذاك.
ومع عودة ترمب إلى البيت الأبيض مطلع 2025، بدت المؤشرات الأولية غير مشجعة لباكستان، خاصة في ظل الحفاوة التي حظي بها رئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي، الذي كان من أوائل القادة الذين استقبلهم الرئيس الأميركي في ولايته الثانية.
التحول المفاجئ
لكن المشهد تبدل سريعًا. فقد أعلنت واشنطن في مارس/آذار 2025 القبض على عنصر بارز في تنظيم “داعش-خراسان” متهم بالضلوع في هجوم مطار كابول عام 2021، في عملية نفذتها باكستان. هذا التطور منح الإدارة الأميركية فرصة لإبراز تعاون أمني مثمر، وأعاد تقديم إسلام أباد كشريك فعّال في مكافحة الإرهاب.
تلا ذلك تقارب سياسي لافت، تُوِّج بدعوة غير مسبوقة لقائد الجيش الباكستاني إلى البيت الأبيض، في خطوة اعتُبرت إشارة واضحة إلى تحسن العلاقات الثنائية. كما خُفِّضت الرسوم الجمركية الأميركية على الواردات الباكستانية، وأُعلنت شراكات في مجالات المعادن الحيوية والطاقة.
الهند تحت الضغط
في المقابل، واجهت العلاقات الأميركية الهندية مرحلة توتر غير مسبوقة. فرضت واشنطن رسومًا جمركية مرتفعة على سلع هندية، بعضها بدوافع تجارية وأخرى مرتبطة بمشتريات نيودلهي من النفط الروسي. كما تصاعدت الانتقادات الأميركية لسياسات الهند الاقتصادية.
ورغم إعلان اتفاق تجاري جديد بين الجانبين يهدف إلى خفض الرسوم وتهدئة الخلافات، فإن الغموض لا يزال يحيط بتفاصيله، وسط تساؤلات حول مدى استدامة التفاهمات الجديدة.
العوامل الأعمق للتحول
لا يمكن فهم هذه التحولات بمعزل عن التغير في أولويات السياسة الأميركية. فالإدارة الحالية تبدي مقاربة أكثر براغماتية تجاه الصين، وتسعى لتأمين سلاسل إمداد المعادن النادرة، وهو ما يمنح باكستان أهمية استراتيجية متزايدة. كما أن انشغال الهند بتحدياتها الحدودية مع بكين يقلل من قدرتها على لعب دور بحري أوسع في المحيطين الهندي والهادئ، وهو ملف محوري في الاستراتيجية الأميركية.
إضافة إلى ذلك، كثّفت باكستان جهودها في واشنطن عبر جماعات ضغط متعددة، بينما اعتمدت الهند إلى حد كبير على رصيدها التاريخي مع الولايات المتحدة.
مستقبل العلاقات الثلاثية
رغم التهدئة الاقتصادية الأخيرة بين واشنطن ونيودلهي، يبدو أن مرحلة “الشراكة الذهبية” التي امتدت لعقدين قد دخلت اختبارًا حقيقيًا. في المقابل، يظل التقارب الأميركي الباكستاني مرهونًا بتوازنات إقليمية ودولية معقدة، خاصة في ظل علاقة إسلام أباد الوثيقة ببكين.
المؤكد أن جنوب آسيا بات ساحة لإعادة تموضع استراتيجي أميركي، وأن العلاقات مع كل من الهند وباكستان لم تعد تحكمها المعادلات التقليدية ذاتها، بل شبكة متغيرة من المصالح الاقتصادية والأمنية والجيوسياسية.









