دلالات الضربة الإسرائيلية لمخيم مواصي خان يونس: بين منطق الإبادة وانهيار النظام الدولي

تشكل الضربة الإسرائيلية التي استهدفت مخيم مواصي خان يونس اليوم ، وأسفرت عن استشهاد 29 فلسطينيًا من الشيوخ والأطفال والمدنيين العزل، مؤشرًا بالغ الخطورة على طبيعة السلوك العسكري والسياسي للاحتلال الإسرائيلي، وعلى المسار العام للحرب الدائرة على قطاع غزة. فالمخيم، الذي صُنّف سابقًا باعتباره “منطقة إنسانية”، لم يكن يحتوي أهدافًا عسكرية نوعية، ما ينفي مسبقًا أي تبرير عملياتي مشروع، ويضع الضربة في سياقها الحقيقي: استخدام القوة كأداة للعقاب الجماعي والإرهاب المنهجي.
أولًا: البعد العسكري – تفكك الذريعة الأمنية
من الناحية العسكرية، تعكس الضربة انحرافًا واضحًا عن مبادئ التمييز والتناسب المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني. فاستهداف تجمع مدني في منطقة نزوح لا يمكن تفسيره إلا باعتباره فعلًا عقابيًا يهدف إلى كسر الإرادة المجتمعية الفلسطينية، وليس تحييد خطر أمني محدد. الذرائع المتكررة حول “ملاحقة عناصر مسلحة” فقدت قيمتها التفسيرية، بعدما تحولت إلى غطاء لغوي لشرعنة القتل واسع النطاق.
ثانيًا: البعد السياسي – رسالة استخفاف بالوساطة والاتفاقات
سياسيًا، تمثل الضربة رسالة مزدوجة:
رسالة للوسيط الأمريكي مفادها أن إسرائيل غير معنية بالالتزامات السياسية أو التفاهمات المرحلية، وأنها تحتفظ بحقها الأحادي في التصعيد متى شاءت.
رسالة للمجتمع الدولي تؤكد أن الاحتلال يدرك عجز النظام الدولي عن فرض أي كلفة حقيقية على سلوكه، في ظل الحماية السياسية والدبلوماسية التي توفرها قوى كبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة.
إن تكرار الضربات خلال فترات يفترض أنها خاضعة لترتيبات تهدئة، يكشف أن إسرائيل لا تتعامل مع الاتفاقات بوصفها التزامات قانونية، بل كأدوات تكتيكية لإدارة الوقت وإعادة التموضع العسكري.
ثالثًا: البعد القانوني – سقوط وهم “النظام الدولي القائم على القواعد”
قانونيًا، تشكل هذه المجزرة دليلًا إضافيًا على تآكل منظومة القانون الدولي عندما يتعلق الأمر بفلسطين. فالقوانين التي تُفعَّل بسرعة في نزاعات أخرى، تُعلَّق عمليًا في الحالة الفلسطينية، ما يحول القانون الدولي من أداة عدالة إلى أداة انتقائية تخضع لموازين القوة لا لمبادئ الحق.
رابعًا: البعد الإقليمي – عجز عربي وتواطؤ بالصمت
إقليميًا، تفضح المجزرة حالة العجز العربي الرسمي، حيث تكتفي أنظمة تمتلك جيوشًا وموارد ضخمة بدور المتفرج. هذا الصمت لا يُقرأ فقط كضعف، بل كعنصر مشجع للاحتلال على المضي قدمًا في سياساته، إدراكًا منه أن كلفة القتل في غزة أقل من كلفة أي تراجع سياسي.
خامسًا: الخلاصة الاستراتيجية
إن ضربة مواصي خان يونس ليست حدثًا معزولًا، بل حلقة في استراتيجية طويلة الأمد تقوم على:
تفريغ غزة ديمغرافيًا،
تدمير البنية الاجتماعية والنفسية للسكان،
فرض واقع جديد بالقوة، في ظل غياب ردع دولي أو إقليمي.
وعليه، فإن ما يجري لا يمكن توصيفه كـ“حرب دفاعية” أو “عملية أمنية”، بل كـمشروع عنف منظم يندرج ضمن منطق الإبادة البطيئة، تُدار فصوله بغطاء سياسي دولي وصمت عربي مريب.
إن استمرار هذا المسار دون مساءلة حقيقية لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يقوض ما تبقى من مصداقية النظام الدولي ذاته، ويؤسس لعالم تحكمه شريعة القوة المجردة لا القانون.
رئيس التحرير






