صندوق دعم سكن المدرس: خطوة أولى في طريق الإنصاف

ليس السكن مجرد حاجة مادية، بل هو ركيزة من ركائز الاستقرار النفسي والمهني، وأحد الشروط الصامتة التي يقوم عليها العطاء المنتج. وحين يتعلق الأمر بالمدرس، فإن توفير سقف آمن له لا ينعكس عليه وحده، بل يمتد أثره إلى الفصل الدراسي، ثم إلى المدرسة، فإلى المجتمع بأسره.
في هذا السياق، يندرج إنشاء صندوق دعم سكن المدرسين كخطوة أولى ذات دلالة عميقة على طريق استيعاب فخامة رئيس الجمهورية، محمد ولد الشيخ الغزواني، لجانب معتبر من معاناة المدرس الموريتاني، وهي معاناة تراكمت عبر عقود، وظلت تؤجل أو تعالج بحلول جزئية لا تمس جوهر الإشكال.
لقد شكّل الإعلان عن الصندوق، ثم الشروع الفعلي في تنفيذ مرحلته الأولى، انتقالًا من منطق الوعود إلى منطق الفعل، ومن الخطاب العام إلى الإجراء الملموس. والأهم من ذلك أن هذه المرحلة عولجت بمنهجية شفافة وواضحة، لم تترك مجالًا للريبة أو الشك، سواء في معايير الاستفادة أو في آليات الفرز، وهو ما منح الخطوة مصداقية نادرة في تجارب الدعم الاجتماعي.
ولا يمكن في هذا المقام إغفال ما أظهرته وزيرة التربية وإصلاح النظام التعليمي، ومعها مدير الموارد البشرية، من جدية واضحة في التعاطي مع الملف، عبر نهجٍ قائم على العدالة، وتكافؤ الفرص، وإشراك النقابات التعليمية في مختلف المراحل، بوصفها شريكًا لا متفرجًا. وهو توجه يعكس فهمًا حديثًا لإدارة الملفات الحساسة، ويعيد الثقة المفقودة بين المدرس والإدارة.
غير أن الإنصاف يقتضي القول إن هذه الخطوة، على أهميتها، لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها نهاية المطاف، بل بداية مسار. فواقع المدرس الموريتاني ما يزال يرزح تحت أعباء متعددة: ضعف الرواتب، هشاشة الظروف المهنية، وضغط المعيشة المتصاعد. وكلها عوامل تجعل من تحسين وضع المدرس ضرورة وطنية، لا مطلبًا فئويًا.
إن الرهان الحقيقي اليوم هو أن يتحول صندوق دعم السكن إلى فاتحة اهتمام رئاسي شامل بإعادة الاعتبار للمدرس، بوصفه حجر الزاوية في أي مشروع تنموي جاد. فالتقدم لا يُبنى بالمنشآت وحدها، بل بالإنسان الذي يصنع الوعي، ويؤسس للمعرفة، ويزرع قيم الانتماء والمسؤولية.
فالمدرس الذي يجد سقفًا آمنًا، ويشعر بالعدل والإنصاف، يكون أقدر على أداء رسالته، وأكثر استعدادًا لبناء أجيال واثقة، ووطنٍ أكثر تماسكًا ورسوخًا.
حمادي سيدي محمد آباتي







