تحقيقاترياضة

ضعف البنية التحتية في موريتانيا : بين محدودية التمويل وغياب الحوكمة الرشيدة

واجهة لأحد الملاعب المغربية الرائعة


تُظهر المقارنة الموضوعية بين البنية التحتية في موريتانيا ونظيرتها في كل من المغرب والجزائر فجوةً واضحة، لا تقتصر على المظهر العام للمنشآت، بل تمتد إلى جودة التخطيط، ومستوى التنفيذ، ونجاعة الصيانة والاستدامة. وهي فجوة تطرح تساؤلات جوهرية حول أسباب هذا التفاوت، وما إذا كان مردّه إلى كفاءة الموارد البشرية، أم إلى القدرات المالية والتمويلية، أم إلى اختلالات أعمق في منظومة الحوكمة.
من حيث الإمكانات، لا يمكن اختزال الفارق في كفاءة المهندسين وحدها. فموريتانيا تزخر بكفاءات هندسية ومعمارية محترمة، داخل البلاد وخارجها، غير أن الإشكال يكمن في البيئة التي تُدار فيها المشاريع العمومية. ففي المغرب والجزائر، تستند مشاريع البنية التحتية إلى تخطيط استراتيجي طويل الأمد، ومؤسسات قوية، وآليات رقابة صارمة، إضافة إلى قدرات تمويلية أكبر وتراكم خبرة مؤسساتية ممتدة لعقود.
في المقابل، تبدو البنى التحتية الطرقية والمؤسسات العمومية في موريتانيا أقل جاذبية وأضعف من حيث المعايير الفنية. شبكتا المياه والكهرباء، على سبيل المثال، تخضعان لتحديثات متكررة تكلف خزينة الدولة مبالغ معتبرة، دون أن ينعكس ذلك تحسنا ملموسا أو استقرارا دائما في الخدمة. هذا الواقع يشي بخلل في التخطيط، وضعف في الدراسات القبلية، وغياب رؤية متكاملة تضمن الاستدامة بدل الترقيع.
ويُجمع كثير من المتابعين على أن جزءا كبيرا من الأزمة يعود إلى شبكة فساد متشعبة، تُهدر المال العام عبر منح الصفقات لجهات تفتقر إلى الخبرة والقدرة الفنية، أو عبر تدوير نفس الفاعلين رغم فشلهم المتكرر. فبدل أن تكون الصفقات العمومية أداة لتحسين الجودة ونقل المعرفة، تحولت في كثير من الحالات إلى وسيلة للإثراء غير المشروع، على حساب المواصفات الفنية والمصلحة العليا للوطن.
إن ضعف البنية التحتية في موريتانيا لا يتجلى فقط في الطرق والمباني، بل في محدودية المنشآت الجامعية، وقلة المركبات الرياضية المؤهلة، وغياب المعايير الدولية في مشاريع يُفترض أنها استراتيجية، رغم ما يُرصد لها من اعتمادات مالية. وهو واقع لم يعد مقبولا في دولة تطمح إلى اللحاق بركب التنمية، في محيط إقليمي يشهد تحولات متسارعة.
لقد سئم المواطن الموريتاني من دوامة المشاريع المتعثرة والمنشآت الهشة، ومن تكرار نفس الأخطاء مع كل برنامج تنموي جديد. فالتنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد المشاريع المعلنة، بل بجودة ما يُنجز، وبقدرة الدولة على فرض الرقابة والمحاسبة، وربط المسؤولية بالنتائج.
إن النهوض بالبنية التحتية يمر حتما عبر إصلاح جذري لمنظومة الصفقات العمومية، وتعزيز استقلالية أجهزة الرقابة، وتمكين الكفاءات الوطنية من لعب دورها بعيدا عن منطق الزبونية والمحسوبية. عندها فقط يمكن أن تحظى موريتانيا ببنية تحتية تليق بإمكاناتها، وتواكب تطلعات شعبها، وتضعها في مصاف الدول السائرة بثبات نحو التنمية المستدامة.

التحرير

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى