صحة

صندوق التأمين الصحي من منطق التضامن إلى مأزق الموازنة!


لم تعد الإجراءات الأخيرة التي أعلنها الصندوق الوطني للتأمين الصحي مفهومة لدى شريحة واسعة من موظفي القطاع العمومي، بل تحولت إلى مصدر قلق وغضب متصاعد، في ظل شعور عام بأن ما يجري هو تراجع غير مبرر عن مكتسبات ظلت قائمة منذ إنشاء الصندوق.
منذ نشأته، قام صندوق التأمين الصحي على معادلة واضحة: اقتطاعات شهرية منتظمة من رواتب الموظفين العموميين، مقابل ضمان ولوجهم إلى الخدمات الصحية الأساسية، خاصة داخل المؤسسات الاستشفائية العمومية. ورغم تواضع الرواتب، ظل الموظف يساهم دون نقاش في تمويل الصندوق، على أساس أن مبدأ التضامن يقتضي تحمّل الجميع للأعباء مقابل حماية جماعية عند المرض.
غير أن هذه المعادلة لم تكن مثالية. فقد عانى الموظفون طويلا من رفض الصندوق تعويض تكاليف العلاج في الخارج، حتى في الحالات التي يتعذر علاجها محليا. ومع ذلك، ظل الأمل قائما في تحسن تدريجي للخدمات، خاصة مع الحديث المتكرر عن إصلاح المنظومة الصحية وتعزيز الحكامة داخل المؤسسات العمومية.
لكن ما حدث لاحقا خالف هذه التوقعات. فعلى الرغم من بعض التحسينات الشكلية، بقيت خدمات الصندوق رهينة السلطة التقديرية لإدارته، حيث لم يكن القانون وحده الفيصل، بل كثيرا ما لعبت الوساطة والنفوذ دورا حاسما في تمكين بعض المرضى من الامتيازات التي يفترض أن تكون حقا للجميع. أما من لا سند له، فكان غالبا يواجه الرفض أو التسويف.
اليوم، يبدو أن الصندوق انتقل من منطق التقييد الجزئي إلى سياسة تقليص شاملة للضمانات. فقد تراجع عن التزاماته المالية التي كان يستفيد منها الموظفون، سواء داخل البلاد أو خارجها، في خطوة يراها المعنيون ظلما صريحا وإقصاءً غير مبرر. ويزداد هذا الإحساس حدة عندما يُستحضر تاريخ الصندوق في التهرب من تحمل تكاليف المرضى المحولين للعلاج خارج الوطن، إلا في حالات استثنائية تحكمها علاقات خاصة.
هذا التحول يطرح سؤالا جوهريا حول علاقة الصندوق بالموازنة العامة للدولة. فهل تعكس هذه الإجراءات أزمة تمويل حقيقية؟ أم أنها نتيجة اختلالات في التسيير وترتيب الأولويات؟ وإذا كانت الموازنة تضغط على الصندوق، فلماذا يُحمَّل الموظف وحده كلفة هذا الاختلال، رغم كونه الممول الأساسي عبر الاقتطاعات الشهرية؟
إن حالة الغضب والرفض التي تسود اليوم أوساط الموظفين ليست مجرد رد فعل عاطفي، بل تعبير عن فقدان الثقة في مؤسسة أنشئت أصلا لحمايتهم. فحين يتحول التأمين الصحي من حق مضمون إلى امتياز انتقائي، وحين تُختزل العلاقة بين الصندوق والمنخرطين في منطق تقشفي أحادي، يصبح الحديث عن إصلاح حقيقي مجرد شعار.
وعليه، فإن أي مقاربة جادة لإصلاح صندوق التأمين الصحي لا بد أن تنطلق من الشفافية في إدارة الموارد، وربط القرارات بالمرجعيات القانونية، وإعادة الاعتبار لمبدأ التضامن، مع توضيح صريح لعلاقة الصندوق بالموازنة العامة. دون ذلك، سيظل الصندوق عنوانا لأزمة ثقة عميقة، يدفع ثمنها موظف أنهكته الاقتطاعات، ويخذله العلاج عند الحاجة.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى