لماذا دعا رئيس حزب الإنصاف أطر الحزب إلى الالتزام بالقرارات المركزية

تندرج دعوة رئيس حزب الإنصاف، محمد ولد بلال، أطرَ الحزب ومناضليه إلى الالتزام الصارم بالقرارات المركزية والتنسيق الوثيق مع الأمناء الاتحاديين، ضمن سياق تنظيمي وسياسي بالغ الحساسية، أعقب المؤتمر الأخير للحزب وما أفرزه من توجهات لإعادة هيكلة التنظيم وتفعيل هياكله القاعدية. وتهدف هذه المقاربة إلى تعزيز الانضباط الداخلي ورفع مستوى الفعالية السياسية، بما يواكب استحقاقات المرحلة.
غير أن هذه الدعوة، وإن بدت إجراءً تنظيمياً اعتيادياً في ظاهره، تعكس في جوهرها قراءة دقيقة لواقع الحزب وتحدياته الميدانية، خصوصاً ما يتصل بعلاقة القيادة بالأطر، وصلتها بالقواعد الشعبية، في ظرف سياسي يتسم بتسارع التحولات وارتفاع منسوب الترقب.
إشارات تململ داخل البنية الحزبية
خلال الفترة الماضية، برزت مؤشرات على تذمرٍ في أوساط عدد من أطر الحزب، مردّه شعورٌ بتراجع مستوى الإشراك في صناعة القرار، واقتصار الأدوار على محطات انتخابية موسمية. وقد أفضى ذلك، في نظر كثيرين، إلى ضعف الحضور اليومي للحزب في الميدان، وتراجع وظائف التأطير السياسي والتواصل المنتظم مع المواطنين.
هذا الخلل ألقى بظلاله على العلاقة بين الأطر والقواعد، إذ غاب العمل القاعدي المستدام لصالح نشاط ظرفي مرتبط بالحملات، ما أضعف القدرة على استيعاب انشغالات المجتمع وشرح خيارات الحزب والدفاع عنها.
تراجع الثقة وتحديات التعبئة
أسهم هذا الواقع في تآكل الثقة بين بعض القواعد الشعبية والأطر الوسيطة، التي وجدت نفسها خارج دوائر التشاور، فبات حضورها ضعيف الأثر في النقاش العام. ونتج عن ذلك فتور في الحماس السياسي وبرود في العلاقة التنظيمية، وهو تحدٍ جوهري لأي حزب حاكم يسعى إلى الحفاظ على تماسكه وقاعدته الانتخابية.
الحوار السياسي المرتقب… ضغط المرحلة
تكتسب الدعوة بعداً إضافياً في ظل الحوار السياسي المرتقب، الذي دعا إليه رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، بمشاركة مختلف الأطراف السياسية. هذا الحوار يضع الحزب الحاكم أمام رهانات كبيرة، لاحتمال أن تفضي مخرجاته إلى إصلاحات سياسية وانتخابية، وربما إلى استحقاقات سابقة لأوانها، ما يستدعي جاهزية تنظيمية عالية ووحدة في القرار والخطاب.
استعادة الانضباط وتوحيد الرؤية
في هذا السياق، يمكن قراءة دعوة الالتزام بالقرارات المركزية بوصفها مسعىً لإعادة ضبط الإيقاع التنظيمي، وتعزيز الانضباط، وتمكين الأمناء الاتحاديين من أداء دورهم كحلقة وصل فاعلة بين القيادة والقواعد، بما يحدّ من التشتت ويكرّس العمل المؤسسي المنسق.
رهان التنظيم والاقتراب من القواعد
يبقى الرهان الحقيقي أمام حزب الإنصاف هو تحويل هذا الانضباط من التزام شكلي إلى ديناميكية سياسية تعالج اختلالات المرحلة السابقة. فنجاح إعادة الهيكلة يمرّ عبر استعادة ثقة الأطر، وتوسيع دوائر التشاور، وبناء تواصل دائم مع القواعد الشعبية، بما يعيد للأطر دورهم الطبيعي كجسرٍ حيوي بين القيادة والمجتمع.
كما أن المرحلة المقبلة، بما تحمله من احتمالات إصلاحية وانتخابية، تفرض حزباً موحد الصف، واضح الرؤية، قوي الحضور الميداني، وقادراً على الدفاع عن خياراته بخطاب مقنع ومتسق. وعليه، فإن كسب هذا الرهان لا يتحقق فقط بفرض الانضباط، بل أساساً بتفعيل الديمقراطية الداخلية، وتكريس المشاركة، وإحياء العمل القاعدي المستدام.
تماد إسلم أيديه
صحفية وباحثة في الشأن العام






